قالوا : وتَفَلَ مُحَمَّدٌ في عُيونِ رِجالٍ ذَوي رَمَدٍ ، وعَلى كُلومِ « 1 » رِجالٍ ذوي جِراحٍ ، فَبَرَأَت لِوَقتِهِ عُيونُهُم فَمَا اشتَكوها ، وَاندَمَلَت جِراحاتُهُم فَما ألِموها ، في كَثيرٍ مِمّا أدَّوا ونَبَّئوا عَن مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله مِن دَلالَةٍ وآيَةٍ .
وأَرادوا صاحِبَهُم مُسَيلِمَةَ عَلى بَعضِ ذلِكَ ، فَأَنعَمَ لَهُم كارِهاً ، وأَقبَلَ بِهِم إلى بَعضِ بِئارِهِم فَمَجَّ فيها ، وكانَتِ الرَّكِيُّ « 2 » مَعذوذَبَةً فَصارَت مَلِحاً لا يُستَطاعُ شَرابُهُ ، وبَصَقَ في بِئرٍ كانَ ماؤُها وَشَلًا « 3 » فَعادَت فَلَم تَبِضَّ « 4 » بِقَطرَةٍ مِن ماءٍ ، وتَفَلَ في عَينِ رَجُلٍ كانَ بِها رَمَدٌ فَعَمِيَت ، وعَلى جِراحٍ - أو قالوا : جِراحِ آخَرَ - فَاكتَسى جِلدَهُ بَرَصاً .
فَقالوا لِمُسَيلِمَةَ فيما أبصَروا في ذلِكَ مِنهُ وَاستَبرَؤوهُ ، فَقالَ : وَيحَكُم ! بِئسَ الامَّةُ أنتُم لِنَبِيِّكُم وَالعَشيرَةُ لِابنِ عَمِّكُم ، إنَّكُم كَلَّفتُموني يا هؤُلاءِ مِن قَبلِ أن يوحى إلَيَّ في شَيءٍ مِمّا سَأَلتُم ، وَالآنَ فَقَد اذِنَ لي في أجسادِكُم وأَشعارِكُم دونَ بِئارِكُم ومِياهِكُم ، هذا لِمَن كانَ مِنكُم بي مُؤمِناً ، وأَمّا مَن كانَ مُرتاباً فَإِنَّهُ لا يَزيدُهُ تَفلَتي عَلَيهِ إلّابَلاءً ، فَمَن شاءَ الآنَ مِنكُم فَليَأتِ لِأَتفِلَ في عَينِهِ وعَلى جِلدِهِ .
قالوا : ما فينا - وأَبيكَ - أحَدٌ يَشاءُ ذلِكَ ، إنّا نَخافُ أن يَشمَتَ بِكَ أهلُ يَثرِبَ .
وأَضرَبوا عَنهُ حَمِيَّةً لِنَسَبِهِ فيهِم وتَذَمُّماً لِمَكانِهِ مِنهُم .
فَضَحِكَ السَّيِّدُ وَالعاقِبُ حَتّى فَحَصَا الأَرضَ بِأَرجُلِهِما ، وقالا : مَا النّورُ وَالظَّلامُ وَالحَقُّ وَالباطِلُ ، بِأَشَدَّ تَبايُناً وتَفاوُتاً مِمّا بَينَ هذَينِ الرَّجُلَينِ صِدقاً وكِذباً .
هامش
( 1 ) . الكَلمُ : الجراحة ، والجمع كُلوم وكِلام ( الصحاح : ج 5 ص 2023 « كلم » ) .
( 2 ) . الركيُّ : البئرُ ( النهاية : ج 2 ص 261 « ركا » ) .
( 3 ) . الوَشَلُ : الماءُ القَليلُ ( النهاية : ج 5 ص 189 « وشل » ) .
( 4 ) . يقال : بَضَّ الماءُ : إذا قطر وسال ( النهاية : ج 1 ص 132 « بضض » ) .