وَالنَّهارُ ، وذلِكَ - يا حارِ - أمَلٌ مِن وَرائِهِ أمَدٌ ومِن دونِهِ أجَلٌ ، فَتَمَسَّك مِن دِينِكَ بِما تَعلَمُ ، وتَمَنَّع - للَّهِ أبوكَ « 1 » - مِن انسٍ مُتَصَرِّمٍ « 2 » بِالزَّمانِ ، أو لِعارِضٍ مِنَ الحَدَثانِ ، فَإِنَّما نَحنُ لِيَومِنا ولِغَدٍ أهلُهُ .
فَأَجابَهُ حارِثَةُ بنُ أثالٍ فَقالَ : إيهاً عَلَيكَ أبا قُرَّةَ ! فَإِنَّهُ لا حَظَّ في يَومِهِ لِمَن لا دَرَكَ لَهُ في غَدِهِ ، وَاتَّقِ اللَّهَ تَجدِ اللَّهَ جَلَّ وتَعالى بِحَيثُ لا مَفزَعَ إلّاإلَيهِ .
وعَرَّضتَ مُشَيِّداً بِذِكرِ أبي واثِلَةَ ! فَهُوَ العَزيزُ المُطاعُ ، الرَّحِبُ الباعُ ، وإلَيكُما مَعاً مُلقَى الرِّحالِ ، فَلَو اضرِبَتِ التَّذكِرَةُ عَن أحَدٍ لِتَبريزِ فَضلٍ لَكُنتُماهُ ، لكِنَّها أبكارُ الكَلامِ تُهدى لِأَربابِها ، ونَصيحَةٌ كُنتُما أحَقَّ مَن أصغى لَها « 3 » . إنَّكُما مَليكا ثَمَراتِ قُلوبِنا ، ووَلِيّا طاعَتِنا في دينِنا ، فَالكَيَسَ الكَيَسَ - يا أيُّهَا المُعَظَمّانِ - عَلَيكُما بِهِ ، أرِيا مَقاماً يُدهِكُما نَواحيهِ ، وَاهجُرا سُنَّةَ « 4 » التَّسويفِ فيما أنتُما بِعَرضِهِ .
آثِرَا اللَّهَ فيما كانَ يُؤثِرُكُما بِالمَزيدِ مِن فَضلِهِ ، ولا تَخلُدا فيما أظَلَّكُما إلَى الونيّةِ « 5 » ، فَإِنَّهُ مَن أطالَ عِنانَ الأَمرِ أهلَكَتهُ الغِرَّةُ « 6 » ، ومَنِ اقتَعَدَ مَطِيَّةَ الحَذَرِ كانَ بِسَبيلِ أمنٍ مِنَ المَتالِفِ ، ومَنِ استَنصَحَ عَقلَهُ كانَتِ العِبرَةُ لَهُ لا بِهِ ، ومَن نَصَحَ للَّهِ عز وجل آنَسَهُ اللَّهُ جَلَّ وتَعالى بِعِزِّ الحَياةِ وسَعادَةِ المُنقَلَبِ .
ثُمَّ أقبَلَ عَلَى العاقِبِ مُعاتِباً ، فَقالَ : وزَعَمتَ - أبا واثِلَةَ - أنَّ رادَّ ما قُلتُ أكثَرُ
هامش
( 1 ) . للَّهأبوك : في معرض المدح والتعجّب ؛ أي أبوك للَّهخالصاً حيث أنجب بك وأتى بمثلك ( النهاية : ج 1 ص 19 « أبا » ) .
( 2 ) . الانصرام : الانقطاع . . . والتصرّم : التقطّع ( الصحاح : ج 5 ص 1965 « صرم » ) .
( 3 ) . في المصدر : « بها » ، والتصويب من بحار الأنوار .
( 4 ) . في المصدر : « سنته » ، والتصويب من بحارالأنوار .
( 5 ) . الوني : الضعف والفتور والكلال والإعياء ( تاج العروس : ج 20 ص 317 « وني » ) .
( 6 ) . في بحار الأنوار : « العِزَّة » بدل « الغِرَّة » .