العَظيمَ غَيرُكَ » .
ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ ، ووَجهُهُ مِنَ البُكاءِ كَأَنَّما غُمِسَ في الماءِ . « 1 »
10182 . كمال الدين عن سدير الصيرفي : دَخَلتُ أنَا وَالمُفَضَّلُ بنُ عُمَرَ ، وأَبو بَصيرٍ ، وأَبانُ بنُ تَغلِبَ عَلى مَولانا أبي عَبدِ اللَّهِ الصّادِقِ عليه السلام ، فَرَأَيناهُ جالِساً عَلَى التُّرابِ وعَلَيهِ مِسحٌ « 2 » خَيبَرِيٌّ مُطَوَّقٌ بِلا جَيبٍ ، مُقَصَّرُ الكُمَّينِ ، وهُوَ يَبكي بُكاءَ الوالِهِ الثَّكلى ، ذاتَ الكَبِدِ الحَرّى ، قَد نالَ الحُزنُ مِن وَجنَتَيهِ ، وشاعَ التَّغييرُ في عارِضَيهِ ، وأَبلى الدُّموعُ مَحجِرَيهِ ، وهُوَ يَقولُ :
« سَيِّدي ! غَيبَتُكَ نَفَت رُقادي ، وضَيَّقَت عَلَيَّ مِهادي ، وَابتَزَّت مِنّي راحَةَ فُؤادي .
سَيِّدي ! غَيبَتُكَ أوصَلَت مُصابي بِفَجايِعِ الأَبَدِ ، وفَقدُ الواحِدِ بَعدَ الواحِدِ يُفنِي الجَمعَ وَالعَدَدَ ، فَما احِسُّ بِدَمعَةٍ تَرقى مِن عَيني ، وأَنينٍ يَفتُرُ مِن صَدري ، عَن دَوارِجِ الرَّزايا وسَوالِفِ البَلايا ، إلّامُثِّلَ بِعَيني عَن غَوابِرَ أعظَمِها وأَفظَعِها ، وبَواقِيَ أشَدِّها وأَنكَرِها ، ونَوائِبَ مَخلوطَةٍ بِغَضَبِكَ ، ونَوازِلَ مَعجونَةٍ بِسَخَطِكَ » .
قالَ سَديرٌ : فَاستَطارَت عُقولُنا وَلَهاً ، وتَصَدَّعَت قُلوبُنا جَزَعاً مِن ذلِكَ الخَطبِ الهائِلِ ، والحادِثِ الغائِلِ ، وظَنَنّا أنَّهُ سِمَةٌ لِمَكروهَةٍ قارِعَةٍ ، أوحَلَّت بِهِ مِنَ الدَّهرِ بائِقَةٌ « 3 » ، فَقُلنا : لا أبكَى اللَّهُ - يَابنَ خَيرِ الوَرى - عَينَيكَ مِن أيَّةِ حادِثَةٍ تَستنَزِفُ دَمعَتَكَ وتَستَمطِرُ عَبرَتَكَ ، وأَيَّةُ حالَةٍ حَتَمَت عَلَيكَ هذَا المَأتَمَ ؟
قالَ : فَزَفَرَ الصّادِقُ عليه السلام زَفرَةً انتَفَخَ مِنها جَوفُهُ ، وَاشتَدَّ عَنها خَوفُهُ ، وقالَ :
هامش
( 1 ) . قرب الإسناد : ص 39 ح 127 ، بحار الأنوار : ج 99 ص 213 ح 1 .
( 2 ) . المِسْحُ : ثوب من الشَعْرِ غليظ ( تاج العروس : ج 4 ص 205 « مسح » ) .
( 3 ) . البوائق : الغوائل والشرور ، واحدها بائقة وهي الداهية ( النهاية : ج 1 ص 162 « بوق » ) .