ما انتابهم من الِمحن ، ولم نجد في غير آل اللَّه له شعراً . . .
عدّه شيخ الطائفة في رجاله من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام . ولم تكُ صحبته مجرّد الفة معه ، أو محض اختلاف إليه ، أو أنّ عصراً واحداً يجمعهما ، لكنّه حظي بزلفة عنده منبعثة عن صميم الودّ وخالص الولاء ، وإيمان لا تشوبه أيّ شائبة ، حتّى أمر الإمام عليه السلام شيعته بتعليم شعره أولادهم وقال : إنّه على دين اللَّه . كما رواه الكشّيّ في رجاله بإسناده عن سماعة قال : قال أبو عبداللَّه عليه السلام : يا معشر الشيعة ، علّموا أولادكم شعر العبديّ فإنّه على دين اللَّه .
وينمّ عن صدق لهجته واستقامة طريقته في شعره وسلامة معانيه عن أيّ مغمز ، أمرُ الإمام عليه السلام إيّاه بنظم ما تنوح به النساء في المآتم ، كما رواه الكشّيّ في رجاله .
لم نقف على تاريخَي ولادة المترجَم له ووفاته ، ولم نعثر على ما يقرّبنا إليهما إلّاماسمعت من روايته عن الإمام جعفر بن محمّد عليه السلام واجتماعه مع السيّد الحِمْيريّ المولود سنة 105 والمتوفّى سنة 178 ومع أبي داود المسترقّ . وملاحظة تاريخَي ولادة أبي داود المسترقّ الراوي عنه ووفاته يؤذننا بحياة شاعرنا العبديّ إلى حدود سنة وفاة الحِمْيريّ ، فإنّ أبا داود توفّي سنة 231 كما في فهرست النجاشيّ أو في سنة 230 كما في رجال الكشّي ، وعاش سبعين سنة كما ذكره الكشّيّ . فتكون ولادة أبي داود سنة 161 على قول النجاشيّ و 160 على اختيار الكشّيّ . وبطبيعة الحال كان له من عمره حين روايته عن المترجم أقلّ ما تستدعيه الرواية ، فيستدعي بقاء المترجم أقلّاً إلى أواخر أيّام الحِمْيريّ ، فما في أعيان الشيعة : ج 1 ص 370 من كون وفاة المترجم في حدود سنة 120 قبل ولادة الراوي عنه أبي داود المسترقّ بأربعين سنة خالٍ عن كلّ تحقيق وتقريب ( راجع : الغدير : ج 2 ص 290 - 328 ترجمة العبديّ الكوفيّ وما في شعره من الحديث ) .
وإليك مقاطع ممّا ذكره الأميني من شعره في كتابه الغدير ( ج 2 ص 290 - 294 ) :
هَل في سُؤالِكَ رَسمَ المَنزِلِ الخَرِبِ * بُرءٌ لِقَلبِكَ مِن داءِ الهَوَى الوَصِبِ ؟ !
أم حَرُّه يَومَ وَشكِ البَينِ يُبرِدُهُ * مَا استَحدَثَتهُ النَّوى مِن دَمعِكَالسَّرِبِ ؟ !
هَيهاتَ أن يَنفَدَ الوَجدُ المُثيرُ لَهُ * نَأيُ الخَليطِ الَّذي وَلّى ولَم يَؤُبِ
يا رائِدَ الحَيِّ ، حَسبُ الحَيِّ ما ضَمِنَت * لَهُ المَدامِعُ مِن ماءٍ ومِن عُشُبِ
إلى أن يقول :
يا راكِبًا جَسرَةً تَطوي مَناسِمُها * مَلاءَةَ البيدِ بِالتَّقريبِ وَالجَنَبِ
تُقيِّدُ المُغزِلَ الأَدماءَ في صَعَدٍ * وتَطلَحُ الكاسِرَ الفَتخاءَ في صَبَبِ
تَثنِي الرِّياحَ إذا مَرَّت بِغايَتِها * حَسرَىالطَّلائِحِ بِالغيطانِ وَالخَرِبِ