الْمُفْلِحُونَ
« 1 » فازوا وَاللَّهِ وأفلَحوا .
إن رَأَوا مُؤمِناً أكرَموهُ ، وإن رَأَوا مُنافِقاً هَجَروهُ ، إذا جَنَّهُمُ اللَّيلُ اتَّخَذوا أرضَ اللَّهِ فِراشاً وَالتُّرابَ وِساداً ، وَاستَقبَلوا بِجِباهِهِمُ الأَرضَ يَتَضَرَّعونَ إلى رَبِّهِم في فَكاكِ رِقابِهِم مِنَ النّارِ ، فَإِذا أصبَحوا اختَلَطوا بِالنّاسِ لا يُشارُ إلَيهِم بِالأَصابِعِ ، تَنَكَّبُوا الطُّرُقَ ، وَاتَّخَذُوا الماءَ طيباً وطَهوراً ، أنفُسُهُم مَتعوبَةٌ ، وأبدانُهُم مَكدودَةٌ « 2 » ، وَالنّاسُ مِنهُم في راحَةٍ .
فَهُم عِندَ النّاسِ شِرارُ الخَلقِ ، وعِندَ اللَّهِ خِيارُ الخَلقِ ، إن حَدَّثوا لَم يُصَدَّقوا ، وإن خَطَبوا لَم يُزَوَّجوا ، وإن شَهِدوا لَم يُعرَفوا ، وإن غابوا لَم يُفقَدوا ، قُلوبُهُم خائِفَةٌ وَجِلَةٌ مِنَ اللَّهِ ، ألسِنَتُهُم مَسجونَةٌ ، وصُدورُهُم وِعاءٌ لِسِرِّ اللَّهِ ، إن وَجَدوا لَهُ أهلًا نَبَذوهُ إلَيهِ نَبذاً ، وإن لَم يَجِدوا لَهُ أهلًا ألقَوا عَلى ألسِنَتِهِم أقفالًا غَيَّبوا مَفاتيحَها ، وجَعَلوا عَلى أفواهِهِم أوكِيَةً ، صُلَّبٌ صِلابٌ أصلَبُ مِنَ الجِبالِ لا يُنحَتُ مِنهُم شَيءٌ ، خُزَّانُ العِلمِ ومَعدِنُ الحِكمَةِ ، وتُبّاعُ النَّبِيّينَ وَالصِّدِّيقينَ وَالشُّهَداءُ وَالصّالِحينَ ، أكياسٌ يَحسَبُهُمُ المُنافِقُ خُرساً وعُمياً وبُلهاً وما بِالقَومِ مِن خَرَسٍ ولا عَمىً ولا بَلَهٍ . إنَّهُم لَأَكياسٌ فُصَحاءُ ، حُلَماءُ ، حُكَماءُ أتقِياءُ ، بَرَرَةٌ ، صَفوَةُ اللَّهِ ، أسكَنَتهُمُ الخَشيَةُ للَّهِ ، وأعيَتهُم ألسِنَتُهُم خَوفاً مِنَ اللَّهِ ، وكِتماناً لِسِرِّهِ .
فَواشَوقاه إلى مُجالَسَتِهِم ومُحادَثَتِهِم ، يا كَرباه لِفَقدِهِم ، ويا كَشفَ كَرباه لِمُجالَسَتِهِم . اطلُبوهُم ، فَإِن وَجَدتُموهُم وَاقتَبَستُم مِن نورِهِم اهتَدَيتُم وفُزتُم بِهِم فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ .
هُم أعَزُّ فِي النّاسِ مِنَ الكِبريتِ الأَحمَرِ ، حِليَتُهُم طولُ السُّكوتِ ، وكِتمانُ السِّرِّ « 3 » ،
هامش
( 1 ) . الحشر : 9 .
( 2 ) . في المصدر : « مَكدورة » ، والتصويب من بحار الأنوار .
( 3 ) . في المصدر : « بكتمان السرّ » ، والتصويب من بحار الأنوار .