تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة معارف الكتاب والسنة — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
رُسُلَهُ اولي قُوَّةٍ في عَزائِمِ نِيّاتِهِم ، وضَعَفَةٍ فيما تَرَى الأَعيُنُ مِن حالاتِهِم ؛ مِن قَناعَةٍ تَملَأُ القُلوبَ وَالعُيونَ غَناؤُهُ ، وخَصاصَةٍ « 1 » تَملَأُ الأَسماعَ وَالأَبصارَ أذاؤُهُ . ولَو كانَتِ الأَنبِياءُ أهلَ قُوَّةٍ لا تُرامُ وعِزَّةٍ لا تُضامُ ، ومُلكٍ يُمَدُّ نَحوَهُ أعناقُ الرِّجالِ ويُشَدُّ إلَيهِ عُقَدُ الرِّحالِ ، لَكانَ أهونَ عَلَى الخَلقِ فِي الاختِبارِ ، وأبعَدَ لَهُم فِي الاستِكبارِ ، ولَآمَنوا عَن رَهبَةٍ قاهِرَةٍ لَهُم أو رَغبَةٍ مَائِلَةٍ بِهِم ، فَكانَتِ النِّيّاتُ مُشتَركَةً والحَسَناتُ مُقتَسَمَةً ، ولكِنَّ اللَّهَ أرادَ أن يَكونَ الاتِّباعُ لِرُسُلِهِ ، وَالتَّصديقُ بِكُتُبِهِ ، وَالخُشوعُ لِوَجهِهِ ، وَالاستِكانَةُ لِأَمرِهِ ، وَالاستِسلامُ لِطاعَتِهِ ، اموراً لَهُ خاصَّةً لا تَشوبُها مِن غَيرِها شائِبةٌ ، وكُلَّما كانَتِ البَلوى وَالاختِبارُ أعظَمَ كانَتِ المَثوبَةُ وَالجَزاءُ أجزَلَ . ألا تَرَونَ أنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَناؤُهُ اختَبَرَ الأَوَّلينَ مِن لَدُن آدَمَ إلَى الآخِرينَ مِن هذَا العالَمِ ، بِأَحجارٍ لا تَضُرُّ ولا تَنفَعُ ، ولا تُبصِرُ ولا تَسمَعُ ، فَجَعَلَها بَيتَهُ الحَرامَ الَّذي جَعَلَهُ لِلنّاسِ قِياماً ، ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوعَرِ بِقاعِ الأَرضِ حَجَراً ، وأقَلِّ نَتائِقِ « 2 » الدُّنيا مَدَراً ، وأضيَقِ بُطونِ الأَودِيَةِ مَعاشاً ، وأغلَظِ مَحالِّ المُسلِمينَ مِياهاً ، بَينَ جِبالٍ خَشِنَةٍ ، ورِمالٍ دَمِثَةٍ « 3 » ، وعُيونٍ وَشِلَةٍ « 4 » ، وقُرىً مُنقَطِعَةٍ ، وأثَرٍ مِن مَواضِعِ قَطرِ السَّماءِ داثِرٍ ، لَيس يَزكو بِهِ خُفٌّ ولا ظِلفٌ ولا حافِرٌ . ثُمَّ أمَرَ آدَمَ ووُلدَهُ أن يَثنوا أعطافَهُم نَحوَهُ ، فَصارَ مَثابَةً « 5 » لِمُنتَجَعِ « 6 » أسفارِهِم ،
هامش
( 1 ) . الخَصاصة : الفَقر والحاجَة ( المصباح المنير : ص 171 « خصص » ) . ( 2 ) . النّتائِق : جمع نَتيقة ، فعيلة بمعنى مفعولة ؛ من النّتق : وهو أن تقلع الشيءَ فترفعه من مكانه لِترمي به ، هذا هو الأصل ، وأراد بها هاهنا البلاد ؛ لِرَفع بنائها ، وشهرتها في موضعها ( النهاية : ج 5 ص 13 « نتق » ) . ( 3 ) . دَمِثَ المكانُ دَمَثاً : لانَ وسَهُلَ ( النهاية : ج 2 ص 132 « دمث » ) . ( 4 ) . الوَشَل : الماء القليل ( النهاية : ج 5 ص 189 « وشل » ) . ( 5 ) . المَثابَةُ : المجتمعُ والمنزل ، لأنّ أهله يثوبون إليه أي يرجعون ( لسان العرب : ج 1 ص 245 « ثوب » ) . ( 6 ) . المُنتَجَعُ : المَنزِلُ في طلب الكلأ ( لسان العرب : ج 8 ص 347 « نجع » ) .
موسوعة معارف الكتاب والسنة — صفحة 333 | محمد الريشهري