صرّحوا بتكذيب الروايات والأخبار التي تجعل الرؤيا مصدراً لتشريع الأذان ، وعدّوها منافية للإيمان بالنبوّة ، وإذا لم يكن ثمّة دليل على إثبات عدم صحّة تلك الروايات ووضعها ، فإنّ نفي أهل البيت عليهم السلام لها يكفي في المقام ؛ لأنّ « أهل البيت أدرى بما في البيت » . ولا يقتصر ردّها ونفيها على أهل البيت عليهم السلام وحدهم ، بل يتعدّى ذلك إلى أشخاص آخرين ؛ مثل محمّد بن الحنفيّة الّذي صرّح ببطلانها .
روى برهان الدين الحلبيّ عن أبي العلاء ، قال :
قلت لمحمّد بن الحنفيّة : إنّا لنتحدّث أنّ بدء هذا الأذان كان من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه . ففزع لذلك محمّد بن الحنفيّة فزعاً شديداً ، وقال : عمدتم إلى ما هو الأصل في شرائع الإسلام ومعالم دينكم فزعمتم أنّه إنّما كان من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه تحتمل الصدق والكذب ، وقد تكون أضغاث أحلام ؟ ! قال : فقلت له : هذا الحديث قد استفاض في الناس ؟ قال : هذا واللَّه هو الباطل . . . . « 1 »
4 . وجوه أخرى
إنّ الّذي ذكرناه من نقد مضمون الروايات التي تقول : إنّ بدء تشريع الأذان لم يستند إلى الوحي ، يكفي لإثبات عدم اعتبارها ، غير أنّه ذُكرت بعض الوجوه الأخرى لإثبات هذا المدّعى ، مثل : التعارض الجوهريّ في مضمون هذه الروايات ، وعدد الذين يدّعون الرؤيا « 2 » ، وتعارضها مع نقل البخاري وغيره « 3 » .
بناءً على ذلك ، فلو فرضنا أنّ أسانيد هذه الروايات صحيحة اصطلاحاً ، فليس ثَمّة أدنى ريب في رفضها وردّها ؛ ذلك لأنّ مضمونها لا يتوافق مع العقل السليم ،
هامش
( 1 ) . السيرة الحلبيّة : ج 2 ص 96 .
( 2 ) . نُقل أن الّذين ادّعوا الرؤيا أربعة عشر شخصاً ( راجع : السيرة الحلبيّة : ج 2 ص 96 ) .
( 3 ) . راجع : الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف : ص 135 - 139 .