تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة العقائد الإسلامية — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
ساعَةً بَعدَ ساعَةٍ ويَوما بَعدَ يَومٍ ، وَاعتَبَرَ ذلِكَ بِأَنَّ مَن سُبِيَ مِن بَلَدٍ إِلى بَلَدٍ وهُوَ عاقِلٌ يَكونُ كَالوالِهِ الحَيرانِ ، فَلا يُسرِعُ في تَعَلُّمِ الكَلامِ وقَبولِ الأَدَبِ كَما يُسرِعُ الَّذي يُسبى صَغيرا غَيرَ عاقِلٍ . ثُمَّ لَو وُلِدَ عاقِلًا كانَ يَجِدُ غَضاضَةً « 1 » إِذا رَأى نَفسَهُ مَحمولًا مُرضَعا مُعَصَّبا بِالخِرَقِ مُسَجّىً فِي المَهدِ ؛ لِأَ نَّهُ لا يَستَغني عَن هذا كُلِّهِ لِرِقَّةِ بَدَنِهِ ورُطوبَتِهِ حينَ يولَدُ ، ثُمَّ كانَ لا يوجَدُ لَهُ مِنَ الحَلاوَةِ وَالوَقعِ مِنَ القُلوبِ ما يوجَدُ لِلطِّفلِ ، فَصارَ يَخرُجُ إِلَى الدُّنيا غَبِيّا غافِلًا عَمّا فيهِ أهلُهُ فَيَلقَى الأَشياءَ بِذِهنٍ ضَعيفٍ ومَعرِفَةٍ ناقِصَةٍ ، ثُمَّ لا يَزالُ يَتَزايَدُ فِي المَعرِفَةِ قَليلًا قَليلًا وشَيئا بَعدَ شَيءٍ وحالًا بَعدَ حالٍ حَتّى يَألَفَ الأَشياءَ ويَتَمَرَّنَ ويَستَمِرَّ عَلَيها ، فَيَخرُجَ مِن حَدِّ التَّأَمُّلِ لَها وَالحَيرَةِ فيها إِلَى التَّصَرُّفِ وَالاضطِرابِ إِلَى المَعاشِ بِعَقلِهِ وحيلَتِهِ ، وإِلَى الاعتِبارِ وَالطَّاعَةِ وَالسَّهوِ وَالغَفلَةِ وَالمَعصِيَةِ . وفي هذا أَيضا وُجوهٌ أُخَرُ ؛ فَإِنَّهُ لَو كانَ يولَدُ تامَّ العَقلِ مُستَقِلّاً بِنَفسِهِ لَذَهَبَ مَوضِعُ حَلاوَةِ تَربِيَةِ الأَولادِ ، وما قَدَرَ أن يَكونَ لِلوالِدَينِ فِي الاشتِغالِ بِالوَلَدِ مِنَ المَصلَحَةِ وما يوجِبُ التَّربِيَةَ لِلآباءِ عَلَى الأَبناءِ مِنَ المُكَلَّفاتِ بِالبِرِّ وَالعَطفِ عَلَيهِم عِندَ حاجَتِهِم إِلى ذلِكَ مِنهُم ، ثُمَّ كانَ الأَولادُ لا يَألَفونَ آباءَهُم ، ولا يَألَفُ الآباءُ أَبناءَهُم ؛ لِأَنَّ الأَولادَ كانوا يَستَغنونَ عَن تَربِيَةِ الآباءِ وحِياطَتِهِم فَيَتَفَرَّقونَ عَنهُم حينَ يولَدونَ ، فَلا يَعرِفُ الرَّجُلُ أَباهُ وأُمَّهُ ولا يَمتَنِعُ مِن نِكاحِ أُمِّهِ وأُختِهِ وذَواتِ المَحارِمِ مِنهُ إِذا كانَ لا يَعرِفُهُنَّ ، وأَقَلُّ ما في ذلِكَ مِنَ القَباحَةِ ، بَل هُوَ أَشنَعُ وأَعظَمُ وأَفظَعُ وأَقبَحُ وأَبشَعُ لَو خَرَجَ المَولودُ مِن بَطنِ أُمِّهِ وهُوَ يَعقِلُ أن يَرى مِنها ما لا يَحِلُّ لَهُ ولا يَحسُنُ بِهِ أن يَراهُ . أفَلا تَرى كَيفَ أُقيمَ كُلُّ شَيءٍ مِنَ الخِلقَةِ عَلى غايَةِ الصَّوابِ
هامش
( 1 ) الغَضَاضَةُ : الذِلّةُ والمَنقصة ( الصحاح : ج 3 ص 1095 « غضض » ) .