فَهَوَيتَ إلَى الأَرضِ طَريحاً ضَمآنَ جَريحاً ، تَطَؤُكَ الخُيولُ بِحَوافِرِها ، وتَعلوكَ الطُّغاةُ بِبَواتِرِها ، قَد رَشَحَ لِلمَوتِ جَبينُكَ ، وَاختَلَفَت بِالانبِساطِ وَالانقِباضِ شِمالُكَ ويَمينُكَ ، تُديرُ طَرفاً مُنكَسِراً إلى رَحلِكَ ، وقَد شُغِلتَ بِنَفسِكَ عَن وُلدِكَ وأهلِكَ ، فَأَسرَعَ فَرَسُكَ شارِداً ، وأتى خِيامَكَ قاصِداً ، مُحَمحِماً باكِياً .
فَلَمّا رَأَينَ النِّساءُ جَوادَكَ مَخزِيّاً ، وأبصَرنَ سَرجَكَ مَلوِيّاً ، بَرَزنَ مِنَ الخُدورِ ، لِلشُّعورِ ناشِراتٍ ، ولِلخُدودِ لاطِماتٍ ، ولِلوُجوهِ سافِراتٍ ، وبِالعَويلِ داعِياتٍ ، وبَعدَ العِزِّ مُذَلَّلاتٍ ، وإلى مَصرَعِكَ مُبادِراتٍ ، وشِمرٌ جالِسٌ عَلى صَدرِكَ ، مُولِغٌ سَيفَهُ في نَحرِكَ ، قابِضٌ شَيبَتَكَ بِيَدِهِ ، ذابِحٌ لَكَ بِمُهَنَّدِهِ ، وقَد سَكَنَت حَواسُّكَ ، وخَمَدَت أنفاسُكَ ، ووَرَدَ عَلَى القَناةِ رَأسُكَ ، وسُبِيَ أهلُكَ كَالعَبيدِ ، وصُفِّدوا فِي الحَديدِ فَوقَ أقتابِ « 1 » المَطِيّاتِ ، تَلفَحُ وُجوهَهُم حَرورُ الهاجِراتِ ، يُساقونَ فِي الفَلَواتِ ، أيديهِم مَغلولَةٌ إلَى الأَعناقِ ، يُطافُ بِهِم فِي الأَسواقِ .
فَالوَيلُ لِلعُصاةِ الفُسّاقِ ، لَقَد قَتَلوا بِقَتلِكَ الإِسلامَ ، وعَطَّلُوا الصَّلاةَ وَالصِّيامَ ، ونَقَضُوا السُّنَنَ وَالأَحكامَ ، وهَدَموا قَواعِدَ الإِيمانِ ، وحَرَّفوا آياتِ القُرآنِ ، وهَملَجوا « 2 » فِي البَغيِ وَالعُدوانِ .
لَقَد أصبَحَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وآلِهِ مِن أجلِكَ مَوتوراً ، وعادَ كِتابُ اللَّهِ مَهجوراً ، وغودِرَ الحَقُّ إذ قُهِرتَ مَقهوراً ، فُقِدَ بِفَقدِكَ التَّكبيرُ وَالتَّهليلُ ، وَالتَّحريمُ وَالتَّحليلُ ، وَالتَّنزيلُ وَالتَّأويلُ ، وظَهَرَ بَعدَكَ التَّغييرُ وَالتَّبديلُ ،
هامش
( 1 ) . القَتب : رحل صغير على قدر السنام ( الصحاح : ج 1 ص 198 « قتب » ) .
( 2 ) . الهملجة والهملاج : حسن سير الدابّة في سرعة ( لسان العرب : ج 2 ص 394 « هملج » ) .