مُعاوِيَةَ كانَ عَبداً للِهِ مِن عِبادِهِ ، أكرَمَهُ اللَّهُ وَاستَخلَفَهُ وخَوَّلَهُ وَمَكَّنَ لَهُ ، ثُمَّ قَبَضَهُ إلى رَوحِهِ ورَيحانِهِ وَرحمَتِهِ وغُفرانِهِ ، عاشَ بِقَدَرٍ وماتَ بِأَجَلٍ ، عاشَ بَرّاً تَقِيّاً وخَرَجَ مِنَ الدُّنيا رَضِيّاً زَكِيّاً ، فَنِعمَ الخَليفَةُ كانَ ولا ازَكّيهِ عَلَى اللَّهِ ، هُوَ أعلَمُ بِهِ مِنّي ، وقَد كانَ عَهِدَ إلَيَّ عَهداً وجَعَلَني لَهُ خَليفَةً مِن بَعدِهِ ، وأوصاني أن احارِبَ « 1 » آلَ أبي تُرابٍ بِآلِ أبي سُفيانَ ؛ لأِنَّهُم أنصارُ الحَقِّ وطُلّابُ العَدلِ ، فَإِذا وَرَدَ عَلَيكَ كِتابي هذا فَخُذِ البَيعَةَ عَلى أهلِ المَدينَةِ ، وَالسَّلامُ .
قالَ : ثُمَّ كَتَبَ إلَيهِ في صَحيفَةٍ صَغيرَةٍ كَأَنَّها اذُنُ فَأرَةٍ : أمّا بَعدُ ، فَخُذِ الحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ وعَبدَ الرَّحمنِ بنَ أبي بَكرٍ وعَبدَ اللَّهِ بنَ الزُّبَيرِ وعَبدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ أخذاً عَنيفاً لَيسَت فيهِ رُخصَةٌ ؛ فَمَن أبى عَلَيكَ مِنهُم فَاضرِب عُنُقَهُ وَابعَث إلَيَّ بِرَأسِهِ . « 2 »
939 . الإمامة والسياسة عن نافع بن جبير : إنّي بِالشّامِ يَومَ مَوتِ مُعاوِيَةَ ، وكانَ يَزيدُ غائِباً ، وَاستَخلَفَ مُعاوِيَةُ الضَّحّاكَ بنَ قَيسٍ بَعدَهُ حَتّى يَقدَمَ يَزيدُ . . . فَلَمّا قَدِمَ يَزيدُ دِمَشقَ - بَعدَ مَوتِ أبيهِ إلى عَشَرَةِ أيّامٍ - كَتَبَ إلى خالِدِ بنِ الحَكَمِ « 3 » وهُوَ عامِلُ المَدينَةِ :
أمّا بَعدُ ، فَإِنَّ مُعاوِيَةَ بنَ أبي سُفيانَ كانَ عَبداً استَخلَفَهُ اللَّهُ عَلَى العِبادِ ، ومَكَّنَ لَهُ فِي البِلادِ ، وكانَ مِن حادِثِ قَضاءِ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ وتَقَدَّسَت أسماؤُهُ فيهِ ما سَبَقَ فِي الأَوَّلينَ وَالآخِرينَ ، لَم يَدفَع عَنهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرسَلٌ ، فَعاشَ حَميداً وماتَ سَعيداً ، وقَد قَلَّدَنَا اللَّهُ عز وجل ما كانَ إلَيهِ ، فَيا لَها مُصيبَةً ما أجَلَّها ونِعمَةً ما أعظَمَها ، نَقلَ الخِلافَةِ وفَقدَ الخَليفَةِ ، فَنَستَوزِعُهُ الشُّكرَ ونَستَلهِمُهُ الحَمدَ ، ونَسأَلُهُ الخِيَرَةَ فِي
هامش
( 1 ) . في الطبعة المعتمدة : « أحدث » ، والتصويب من طبعة دار الفكر .
( 2 ) . الفتوح : ج 5 ص 9 ، مقتل الحسين عليه السّلام للخوارزمي : ج 1 ص 179 .
( 3 ) . كذا ، والصحيح : « الوليد بن عتبة بن أبي سفيان » .