معن السلمي ، وعبداللَّه بن عصام الأشعري ، فأمرهم أن يقوموا إذا فرغ الضحّاك وأن يصدّقوا قوله ويدعوه إلى [ بيعة ] « 1 » يزيد . « 2 »
ثمّ خطب معاوية ، فتكلّم القوم بعده على ما يروقه من الدعوة إلى يزيد ، فقال معاوية : أين الأحنف ؟ فأجابه ، قال : ألا تتكلّم ؟ فقام الأحنف ، فحمد اللَّه وأثنى عليه ، ثمّ قال :
أصلح اللَّه أمير المؤمنين ، إنّ الناس قد أمسوا في مُنكَرِ زمانٍ قد سلف ، ومعروفِ زمانٍ مؤتَنَفٍ « 3 » ، ويزيد ابن أمير المؤمنين نِعم الخلف ، وقد حَلِبتَ الدّهر أشطُرَهُ « 4 » يا أمير المؤمنين ! فاعرف من تسند إليه الأمر من يدك ، ثمّ اعصِ أمرَ من يأمرك ، لا يَغرُرك مَن يُشير عليك ولا ينظر لك ، وأنت أنظر للجماعة وأعلم باستقامة الطاعة ، [ مع ] « 5 » أنّ أهل الحجاز وأهل العراق لا يرضون بهذا ، ولا يبايعون ليزيد ما كان الحسن حيّاً .
فغضب الضحّاك ، فقام الثانية فحمد اللَّه وأثنى عليه ، ثمّ قال :
أصلح اللَّه أمير المؤمنين ، إنّ أهل النفاق من أهل العراق ، مروءتهم في أنفسهم الشقاق ، وإلفتهم في دينهم الفراق ، يرون الحقّ على أهوائهم كأنّما ينظرون بأقفائهم « 6 » ، اختالوا جهلًا وبطراً ، لا يرقبون من اللَّه راقبة ، ولا يخافون وبال عاقبة ، اتّخذوا إبليس لهم ربّاً ، واتّخذهم إبليس حزباً ؛ فمن يقاربوه لا يسرّوه ، ومَن يفارقوه لا يضرّوه ، فادفع رأيهم - يا أمير المؤمنين - في نحورهم ، وكلامهم في
هامش
( 1 ) . ما بين المعقوفين أثبتناه من الإمامة والسياسة .
( 2 ) . الإمامة والسياسة : ج 1 ص 188 .
( 3 ) . انْفَةُ الشيء : ابتداؤه ( النهاية : ج 1 ص 75 « أنف » ) .
( 4 ) . يقال : حَلَبَ فلانٌ الدهرَ أشطُرَه : أي اختبر ضروبه من خيره وشرّه ، تشبيهاً بحلب جميع أخلاف الناقة ( النهاية : ج 2 ص 474 « شطر » ) .
( 5 ) . ما بين المعقوفين أثبتناه من الإمامة والسياسة .
( 6 ) . القفا - مقصور - : مؤخّر العنق ، يذكّر ويؤنّث ( الصحاح : ج 6 ص 2465 « قفا » ) .