فَلَمّا صِرتُ فِي الأَربَعَةِ ، آنَسَ اللَّهُ بِهِ وَحشَتي ، ولَزِمتُ المَسجِدَ لا أبرَحُ « 1 » مِنهُ إلّا لِحَاجَةٍ تَظهَرُ لي ، فَكُنتُ فِي الزِّيادَةِ وَالخِفَّةِ في ظاهِري وباطِني ، حَتّى أكمَلتُ الخَمسَةَ .
فَلَمّا أن دَخَلَتِ السِّتَّةُ ، كُنتُ لا أحتاجُ فِي اللَّيلَةِ الظَّلماءِ إلى مِصباحٍ ، وجَعَلتُ أسمَعُ - إذا خَلَوتُ بِنَفسي في مُصَلّايَ - التَّسبيحَ وَالتَّقديسَ في بَطني .
فَلَمّا مَضى مِنَ السِّتَّةِ تِسعٌ ازدَدتُ قُوَّةً ، وكُنتُ ضَعيفَةَ اللَّذّاتِ « 2 » ، فَذَكَرتُ ذلِكَ لِامِّ سَلَمَةَ « 3 » ، فَشَدَّ اللَّهُ بِها أزري . « 4 »
فَلَمّا زادَتِ العَشرُ مِنَ السِّتَّةِ ، وغَلَبَتني عَيني ، أتاني آتٍ في مَنامي ، فَمَسَحَ جَناحَهُ عَلى ظَهري فَفَزِعتُ ، وقُمتُ وأسبَغتُ الوُضوءَ فَصَلَّيتُ رَكعَتَينِ ، ثُمَّ غَلَبَتني عَيني ، فَأَتاني آتٍ في مَنامي ، وعَلَيهِ ثِيابٌ بيضٌ ، فَجَلَسَ عِندَ رَأسي ، فَنَفَخَ في وَجهي وفي قَفايَ ، فَقُمتُ وأنَا خائِفَةٌ ، فَأَسبَغتُ الوُضوءَ ، وأدَّيتُ أربَعاً ، ثُمَّ غَلَبَتني
هامش
( 1 ) . برحَ مكانَه : زال عنه ( القاموس المحيط : ج 1 ص 215 « برح » ) .
( 2 ) . كذا في المصدر ، ولا توجد هذه العبارة في بحار الأنوار .
( 3 ) . امّ سلمة ، هند بنت أبي اميّة بن المغيرة القرشيّة المخزوميّة ، اشتهرت بكنيتها . كان أبوها من الأجواد . هاجرت مع زوجها أبي سلمة إلى الحبشة ثمّ هاجرت إلى المدينة ، وكانت أوّل ظعينة دخلت إلى المدينة مهاجرة . لمّا مات زوجها من الجراحة التي أصابته في أحد ، تزوّجها النبيّ صلّى اللَّه عليه وآله في سنة ( 4 ه ) ، روت عن النبيّ صلّى اللَّه عليه وآله ، وكانت من الفقهاء الصحابيات ، وقصّة الكساء المعروفة وقعت في بيتها ، فقال لها النبي صلّى اللَّه عليه وآله : « إنّك على خير » ، وكانت ذات جمال بارع ورأي ثاقب . كانت من المعروفين بمحبّة أهل البيت عليهم السّلام وولائهم . استودعها الحسين عليه السّلام صحيفة مختومة وسلاح النبيّ صلّى اللَّه عليه وآله وغيرهما من ميراث النبيّ صلّى اللَّه عليه وآله ، ثمّ قبضها بعد ذلك عليّ بن الحسين عليه السّلام . توفّيت في خلافة يزيد بن معاوية سنة ( 61 ه ) ، ودُفنت بالبقيع ( راجع : الطبقات الكبرى : ج 8 ص 86 - 96 وسير أعلام النبلاء : ج 2 ص 201 - 210 والإصابة : ج 8 ص 342 و 404 والكافي : ج 1 ص 235 ح 7 و 8 وص 287 ح 1 والأمالي للطوسي : ص 368 ح 783 ) .
( 4 ) . يقال : أزَّرَه وآزَرَهُ : إذا أعانه وأسعده ، من الأزْر : القوّة والشدّة ( النهاية : ج 1 ص 46 « أزر » ) .