ولكي يتّضح مدلول هذه الأحاديث ويستقرّ على معنىً محدّد ، ينبغي الإجابة على الأسئلة التالية :
أ - ما هو المقصود من أنّ اللَّه سبحانه هو المسعّر ؟
ب - لماذا رفض النبيّ صلى الله عليه وآله اقتراح التسعير في حال القحط وأنكر ذلك بشدّة ؟
ج - إذا ما كان نظام التسعير غير مشروعٍ في الإسلام ، فلماذا أمر الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بأن تنتظم الأسعار بالعدل ولا تكون مجحفة ؟
المسعّر هو اللَّه عز وجل
يمكن تقسيم السعر إلى قسمين ، هما : السعر الطبيعي ، والسعر غير الطبيعي . يتحرّك السعر الطبيعي في إطار الأوضاع والمكوّنات الواقعية للسلعة والسوق ؛ مثل النوعية ، والكمّية ، وكلفة الإنتاج ، والتوزيع ، والحفظ ، والطلب ، وكلّ ما له دخل في تكوين القيمة الحقيقية للسلع . أمّا السعر غير الطبيعي فهو ناشئ عن أوضاع غير طبيعية يفرضها البائع ؛ كالاحتكار ، والتحالف والتواطؤ على سعرٍ معيّن - أو ما يُعرف بالتباني - وإيجاد السوق السوداء .
على ضوء هذا التصنيف ، يعدّ السعر الإلهي هو السعر الطبيعي نفسه ، ويظهر أنّ الأحاديث التي تنسب السعر إلى اللَّه سبحانه تتحدّث عن وجود سعر لكلّ سلعة ينبثق على أساس الشروط الواقعية لوجود تلك السلعة وإنتاجها وتبعاً للحالة الطبيعية للسوق ؛ فما ينتج من حاصل كلفة السلعة والوضع الطبيعي للسوق يمثّل السعر الطبيعي الذي تذكر الأحاديث أنّه من عند اللَّه سبحانه ، وهو السعر الذي تستقرّ عليه السلعة في السوق إذا لم تتدخّل العوامل غير الطبيعية .
معارضة النبيّ صلى الله عليه وآله للتسعير
يُلقي التنويع السعري - المشار إليه آنفاً - ضوءاً على موقف الدولة من التسعير ، فإذا كان التسعير الحكومي بمعنى خفض السعر الطبيعي للسلع ، فهو في الحقيقة ظلم للمنتج ، وإضرار بحركة الإنتاج ذاتها .
ولا ريب أنّ خفض الإنتاج يستتبع التخلّف الاقتصادي ، ومن ثمّ لا يحقّ للدولة أن تخفض أسعار السلع تحت مستوى السعر الطبيعي - الموائم لكلفة الإنتاج والوضع الطبيعي للسوق - حتّى في أوضاع الأزمة وفي أوقات شحّة السلع ، بل تبرز وظيفتها في مواجهة العوامل غير الطبيعية التي تزيد في الأسعار فوق قيمها الطبيعية .
على هذا الضوء ، تتبيّن الحكمة من وراء معارضة النبيّ والإمام أمير المؤمنين - صلوات اللَّه عليهما - للتسعير ومكافحتهما للاحتكار في الوقت ذاته ؛ فمن جهة كان هذا الموقف يهدف إلى الحؤول دون الإجحاف بالمنتج وإلحاق الظلم به ، ممّا يؤدّي إلى خفض مستوى الإنتاج ، كما كان يسعى من جهة أخرى للقضاء على العناصر التي تفضي إلى ارتفاع الأسعار من دون ضابطة .
على هذا يبدو أنّ الفقهاء الذين أفتوا بعدم جواز التسعير مطلقاً كانوا ناظرين إلى هذا المعنى « 1 » .
هامش
( 1 ) . أفتى جمع من الفقهاء بعدم جواز التسعير ، فمنهم الشيخ الطوسي في النهاية ( ص 374 ) ، والمبسوط ( ج 2 ص 195 ) ، وابن زهرة في الغنية ( الجوامع الفقهية : ص 528 ) ، والمحقّق في الشرائع ( ج 2 ص 21 ) والمختصر ( ص 120 ) ، والعلّامة في القواعد ( ج 1 ص 132 ) ، بل نسب في مفتاح الكرامة ( ج 4 ص 109 ) هذا القول إلى الإجماع ، وقال : « إجماعاً وأخباراً متواترة كما في السرائر ، وبلا خلاف كما في المبسوط ، وعندنا كما في التذكرة » . وقال السيد الخوئي بعد أن أفتى بمنع التسعير : « نعم ، لو أجحف في القيمة بحيث كان ازديادها نحواً من الاحتكار يمنع الحاكم عن ذلك بحيث يبيع المالك بقيمة السوق أو أكثر منه بمقدار لا يمنع الناس عن الشراء ، بأن تكون قيمة كل حقّةٍ من الحنطة مئة فلس ويبيع المحتكر بدينارين ، فإنّه أيضاً احتكار ، كما لا يخفى » ( مصباح الفقاهة : ج 5 ص 500 )