الموحّدة في هذا اليوم هو الشّرك العمليّ بمعناه الثالث ، أي عبادة الأوثان الجديدة والقوى الاستكباريّة والخضوع لها . وغاية البراءة من المشركين مجاهدة هذه القوى الطّاغية المتسلّطة على رقاب المسلمين ، وتحقيق الاستقلال والعزّة والاقتدار لمسلمي العالم .
2 - الأديان الإلهيّة والبراءة من المشركين
كان إبراهيم خليل الرحمن - على نبيّنا وآله وعليه السّلام - أوّل الأنبياء جهرًا بالبراءة من الشّرك والمشركين - بحيث دعا القرآن المسلمين إلى الاقتداء بهذا النّبي العظيم بقوله :
قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
« 1 » - واحتذت الامّة الإسلاميّة في إعلان البراءة من المشركين حذو هذه الأسوة النّبويّة في التّاريخ ، والنّاظر في القرآن الكريم يجد فيه أنّ البراءة من المشركين أحد ركنَي التّوحيد الأصيلَين ؛ حيث قرن دعوة الأنبياء إلى التّبرّي من الطّاغوت إلى جوار دعوتهم إلى عبادة اللَّه
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
. « 2 »
و « الطّاغوت » لا ينحصر بالأوثان والأنصاب الّتي اصطُنِعت واتُّخذت في عصر الجاهليّة ، بل إنّ أجلى مظاهر الطّاغوت هو تلك السّلطات المشركة الّتي تسوق المجتمع إلى وجهة مغايرة لوجهة أنبياء اللَّه تعالى . وهذا قول الصّادق عليه السلام في بيان معنى الطّاغوت في الآية السّابعة عشرة من سورة الزّمر :
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها
: من أطاع جبّارًا فقد عَبَده . « 3 »
والمهمّة الأساسيّة هو التّعرّف على المؤامرة المعقّدة الّتي حيكت في تاريخ المسلمين للتّستّر على أجلى مظاهر الطّاغوت والشّرك ، لئلّا تشعر المجتمعات الإسلاميّة الخطر من هذه النّاحية ، فتظلّ نظرتها إلى البراءة من المشركين حبيسة في نطاق البراءة من أصنام عصر الجاهليّة الأولى . وقد كشف الإمام الصّادق عليه السلام - في عصره - عن هذه المؤامرة الخطرة ، وأعلن بصوتٍ جهير : « إنَّ بَني امَيَّةَ أطلَقوا لِلنّاسِ تَعليمَ الإيمانِ ولَم يُطلِقوا تَعليمَ الشِّركِ ؛ لِكَي إذا حَمَلوهُم عَلَيهِ لَم يَعرِفوهُ » . « 4 »
3 - زمان البراءة من المشركين ومكانها
ممّا لا ريب فيه أنّ البراءة من المشركين ليست محدودة بزمان أو مكان معيّنين بل يجب على المسلمين ، في كلّ زمان ومكان - حيثما تقتضي الضرورة - إعلان براءتهم الفرديّة والجماعيّة من المشركين . ولا مراء أنّه إذا حدّد وليّ أمر المسلمين زمانًا ومكانًا واسلوبًا معيّنًا لأداء هذه الفريضة فإنّ إطاعة وليّ الأمر هنا تكون واجبة .
بيد أنّ المسألة المهمّة هي : أيّ مكان وأيّ زمان
هامش
( 1 ) . الممتحنة : 4
( 2 ) . النحل : 36 ، وراجع الزمر : 17 ، النساء : 36
( 3 ) . مجمع البيان : ج 8 ص 770 ، تأويل الآيات الظاهرة : ج 2 ص 513 ح 5
( 4 ) . الكافي : ج 2 ص 415 ح 1