الباب الثامن : البركة
كلام حول « البركة »
البَرَكة في اللغة بمعنى دوام الخير وثبوته بالزيادة والنماء . لهذا فسّر ابن عبّاس البركة بالكثرة والنماء في كلّ خير كان ، كما فسّر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لفظ « مُبارَك » ب « نفّاع » .
ملاحظة عامّة للقسم الثاني من هذه المجموعة تُومئ إلى المدى الذي بلغه استعمال لفظ البركة في القرآن والحديث ، والمجالِ الذي امتدّ إليه هذا الاستعمال على مختلف الصعُد والأبعاد ؛ من هنا تبرز الأهميّة الاستثنائية الفائقة التي تحظى بها عملية دراسة هذه النصوص وتحليلها .
تجاور العلل المادّية والعوامل المعنويّة
إنّ النقطة الأولى التي تلفت النظر في بحث أسباب البركة ودواعيها من منظور الرؤية القرآنيّة والحديثيّة ؛ هي التجاور الذي يبرز في النصوص الإسلاميّة بين العوامل المعنويّة للبركة ، والأسبابِ والعلل المادّية لها . فمن جهة تتحدّث هذه النصوص عن التقوى ، والعبادة ، والطهارة ، والدعاء ، والصلاة ، والحج ، والاستغفار ، وأمثال ذلك بوصفها مبادئ للبركة والنموّ في الحياة ، ومن جهة أخرى تراها تُعلن عن الرعي وتربية الحيوانات ، والزراعة ، والتجارة ، والعمل باعتبارها رصيداً للبركة ، وعناصر في تحقّق الخير ونموّه وازدهاره . والمعنى الذي يبرز من ثنايا هذا التجاور والجمع بين المعنوي والمادّي في إطار مركّب واحد ؛ أنّ الإيمان بتأثير المعنويّات في الخير والبركة والازدهار المادّي لا يعني في الرؤية الكونية الإسلاميّة نفي الأسباب والعلل المادّية أو التقليل من أهمّيتها في تحقيق التنمية ، بل يعني أنّ الإسلام يؤمن - بالإضافة إلى الأسباب والشروط والعناصر المادّية المعروفة في التنمية - بعوامل أخرى غير مرئية يعتقد أنّ لها أثرها في هذا المسار . فالإسلام يؤمن بأنّ للمعتقدات الدينيّة الصحيحة والأخلاق الحسنة والأعمال الصالحة دورها أيضاً في تحقيق الازدهار والنموّ الاقتصادي للمجتمع .
فالقرآن الكريم يسجّل صراحةً :
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
. « 1 »
انبثاق البركات المعنويّة من صلب البركات المادّية
من النقاط الأخرى التي تتّسم بأهميّة فائقة أنّ الرؤية الإسلاميّة لا تكتفي بما للقيم المعنويّة من تأثير في البركات المادّية وما لها من أثر تتركه في التنمية الاقتصادية المستديمة وحسب ، بل ترى أنّ عكس هذه القضية صادق أيضاً ؛ بمعنى أنّ البركات المادّية حين تتفتّح في نطاق التعاليم الإسلاميّة تقود إلى
هامش
( 1 ) . الأعراف : 96 .