وقد يقال : أنّ كونه صلى الله عليه وآله رحمة لهم لا يلزم كونه أفضل منهم كما في قوله :
فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
« 1 » ، مع أنّه لا يمتنع أن يكون صلى الله عليه وآله رحمة لهم من وجه وهم رحمة له من آخر .
السادس : أنّ عبادة البشر أشقّ فوجب أن يكون أفضل ، أمّا الأوّل فلوجوه :
منها : كثرة الموانع لهم عن الطاعات وكثرة الدواعي لهم إلى المعاصي ، فالفعل مع المعارض القوي أشدّ منه بدون المعارض ، والمبتلى بكثرة الدواعي والشهوات تكون الطاعة عليه أشقّ .
ومنها : أنّ شبهاتهم أكثر والحجب بينهم وبين المعبود أكثر ، فاحتاجوا إلى الاستدلال وبذل الجهد .
ومنها : أنّ الشياطين مسلّطون عليهم بالوسوسة والإغواء ، بل جارون في عروقهم ودمائهم بخلاف الملائكة ، وإذا ثبت ذلك كانوا أكثر ثواباً من الملائكة ؛ لقوله صلى الله عليه وآله :
« أفضل الأعمال أحمزها » .
السابع : أنّ اللَّه تعالى خلق الملائكة عقولًا فقط ، وخلق البهائم شهوات بلا عقول ، وخلق الإنسان جامعاً للأمرين ، فصار بسبب العقل فوق البهيمة بدرجة لا حدّ لها ، فوجب أن يصير بسبب الشهوة دون الملائكة ، ثمّ وجدنا الآدميّ إذا غلب هواه عقله صار كالبهيمة أو دون البهائم ، كما قال تعالى :
إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
« 2 » ، فوجب أن يقال : إذا غلب عقله هواه كان فوق الملائكة .
أقول : وهذا المضمون إن كان رواية فبها ، وإلّا ففيه نظر لا يخفى .
الثامن : أنّ الملائكة حفظة وآدم محفوظ ، والمحفوظ أعزّ وأشرف من الحافظ .
وفيه نظر ، فإنّ الأمير الكبير قد يكون موكّلًا على المتّهمين من الجند .
التاسع : ما روي أنّ جبرئيل أخذ بركاب نبيّنا صلى الله عليه وآله حتّى أركبه البراق ليلة المعراج ولمّا وصل إلى بعض المقامات تخلّف عنه جبرئيل وقال : لو دنوت أنملة لاحترقت .
هامش
( 1 ) . الروم ( 30 ) : 50 .
( 2 ) . الفرقان ( 25 ) : 44 .