الثالث : أنّ اللَّه تعالى جعل آدم خليفة في الأرض ، والمراد منه الولاية ؛ لقوله تعالى :
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ
« 1 » ، ومعلوم أنّ أعلى الناس منصباً عند الملك من كان قائماً مقامه في الولاية والتصرّف وخليفة له ، فدلّ على أنّ آدم أشرف الخلائق ، ويتأكّد هذا بقوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ
« 2 » ، وبقوله :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
« 3 » ، فبلغ آدم في منصب الخلافة أعلى الدرجات ، فالدنيا خلقت متعة لبقاءه ، والآخرة مملكة لجزائه ، وصارت الشياطين ملعونين بسبب التكبّر عليه ، والجنّ رعيّته ، والملائكة في طاعته وسجوده والتواضع له ثمّ صار بعضهم حافظين له ولذرّيّته ، وبعضهم منزلين لأرزاقهم ، وبعضهم مستغفرين لزلّاتهم .
الرابع : قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ
« 4 » والعالم عبارة عن كلّ ما سواه تعالى ، فمعنى الآية : أنّ اللَّه اصطفاهم على المخلوقات ، فكانوا أفضل من الملائكة .
لا يقال : إنّه منقوض بقوله تعالى :
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ
« 5 » ؛ إذ [ لا ] يلزم أن يكونوا أفضل من محمّد وآله [ فكذا هنا ] .
لأنّا نقول : الخطاب بهذه الآية كان قبل وجوده صلى الله عليه وآله وجبرئيل كان موجوداً ، فيلزم أن يكونوا قد اصطفاهم على الملائكة دون محمّد وآله عليهم السلام .
على أنّ تلك الآية لا مخصّص لها ، وهذه قد خصّصت بدليل منفصل .
الخامس : قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
« 6 » ، والملائكة من جملة العالمين ، فكان صلى الله عليه وآله رحمة لهم فوجب أن يكون أفضل منهم .
هامش
( 1 ) . ص ( 38 ) : 26 .
( 2 ) . النحل ( 16 ) : 14 .
( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 29 .
( 4 ) . آل عمران ( 3 ) : 33 .
( 5 ) . البقرة ( 2 ) : 47 .
( 6 ) . الأنبياء ( 21 ) : 107 .