وردّهم العدليّة بأنّ هذا التأويل غير جائز لغةً وعقلًا ؛ أمّا اللغة فلوجوه :
أحدها : أنّه لا يقال لمن منع غيره عن سلوك الطريق جبراً : إنّه أضلّه ، بل يقال : صرفه ومنعه ، وإنّما يقال : أضلّه إذا أغواه ولبّس عليه .
وثانيها : أنّه وصف إبليس وفرعون وغيرهما بالإضلال ، وهم ما كانوا خالقين للضلال في قلب أحد بالاتّفاق ، مع أنّ إطلاق لفظ المضلّ عليهم على سبيل الحقيقة اللغويّة دون المجاز .
وثالثها : أنّ الإضلال في مقابل الهداية ، كما صحّ أن يقال : هديته فما اهتدى ، وجب صحّة أن يقال : أضللته فما أضلّ « 1 » ، وإذا كان كذلك استحال حمل الإضلال على خلق الضلال .
ثمّ استدلّوا مع ذلك بأدلّة عقليّة :
أوّلها : أنّه تعالى لو خلق الضلال في العبد ثمّ كلّفه بالإيمان لكان قد كلّفه بالجمع بين الضدّين ، وذلك سفه وظلم ، وهما محالان .
ثانيها : أنّه لو كان تعالى خالقاً للجهل وملبّساً على المكلّفين لما كان مبيّناً لما كلّف به العبد ، والإجماع محقّق على كونه تعالى مبيّناً .
ثالثها : أنّه لو كان كذلك لم يكن لإنزال الكتب وبعثة الرسل فائدة ، بل كان عبثاً وسفهاً .
رابعها : أنّه يضادّ كثيراً من الآيات كقوله تعالى :
فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ
« 2 » ، وقوله تعالى :
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى
« 3 » ، وقوله تعالى :
أَنَّى يُصْرَفُونَ
« 4 » ،
أَنَّى يُؤْفَكُونَ
« 5 » .
هامش
( 1 ) . في الأصل : « هديته فاهتدى . . . أضللته فأضلّ » وما أثبت من المصدر .
( 2 ) . المدّثّر ( 74 ) : 49 .
( 3 ) . الإسراء ( 17 ) : 94 .
( 4 ) . غافر ( 40 ) : 69 .
( 5 ) . المائدة ( 5 ) : 75 و . . . .