أو صيّره ضالّاً عن الجنّة .
ثمّ إنّ معنى الإضلال عن الدين في عرف اللغة عبارة عن الدعاء إلى ترك الدين وتقبيحه في عينه ، أو إيقاع الوسوسة في قلبه ، وهذا هو الإضلال الذي أضافه اللَّه إلى الشيطان ، فقال :
إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ
« 1 » ، وقال حكاية عنه :
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ
« 2 » ، وقال :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا
« 3 » إلى غير ذلك من الآيات التي أضاف اللَّه فيها الإضلال إلى إبليس ، وأضاف الإضلال إلى فرعون وغيره أيضاً كما في قوله :
وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى
« 4 » ، وقوله :
وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ
« 5 » .
ثمّ إنّ الإجماع متحقّق من هذه الامّة بل الأمم كلّها على أنّ الإضلال بهذا المعنى لا يجوز على اللَّه ؛ لأنّه تعالى ما دعا أحداً إلى الكفر ، بل نهى عنه وزجر وتوعّد بالعقاب عليه ، كما أنّه رغّب في الهداية ، وأمر بالهدى ووعد بالثواب ، وعند هذا افتقر أهل الجبر والقدر إلى التأويل وفتحوا باب التصرّف في الأقاويل :
أمّا الجبريّة والأشاعرة فلعدم التزامهم قاعدة التحسين والتقبيح العقليّين ، وعدم محافظتهم على القوانين العقليّة ، وعزلهم العقل عن منصب الحكومة حملوا الإضلال المنسوب إليه تعالى على كونه خالق الضلال والكفر فيهم ، فصدّهم عن الإيمان وحال بينهم وبينه .
وربّما قالوا : هذا هو حقيقة اللفظ بحسب اللغة ؛ لأنّ الإضلال عبارة عن جعل الشيء ضالّاً ، كما أنّ الإخراج والإدخال عبارتان عن جعل الشيء خارجاً وداخلًا .
هامش
( 1 ) . القصص ( 28 ) : 15 .
( 2 ) . النساء ( 4 ) : 119 .
( 3 ) . فصّلت ( 41 ) : 29 .
( 4 ) . طه ( 20 ) : 79 .
( 5 ) . طه ( 20 ) : 85 .