ما يقول هذا بشر . « 1 » وحكى الأصمعيّ أنّه سمع كلام جارية فقال : قاتلك اللَّه ما أفصحك ، فقالت : ما ترك كتاب اللَّه لأحد فصاحة ، ولقد سمعت منه آية وهي قوله تعالى :
وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
« 2 » فجمع في آية بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين . « 3 » هذا كلّه مع غرابة الأسلوب وأُعجوب النظم حتّى قال الكفّار :
إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ
« 4 » مع اشتماله على العلوم والأسرار ، والمعارف والأنوار ، وتضمّنه جوامع الكلم ولوامع الحكم الذي تعجز العقول عن إدراكها مع عدم الاختلاف
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
« 5 » فإنّه لا يصدر من البشر كلام بهذا الطول خال من التناقض ، وإذا تكلّم أفصح الفصحاء بكلام طويل رأيت كلامه في غاية الاختلاف في الفصاحة ، والقرآن لا اختلاف في فصاحته وبلاغته مع تضمّنه كمال معرفة اللَّه ممّا عجزت عنه عقول الحكماء ، واشتماله على الآداب القويمة والشرائع المستقيمة ، ونظام العباد والبلاد والمعاش والمعاد ، ورفع النزاع والفساد ، واشتماله على الإخبار بالضمائر والغيوب ، ممّا لا يطّلع عليه إلّاعلّام الغيوب ، واشتماله على الوقائع المستقبلة كما هي ، من عدم إيمان أبي لهب ، وضرب الذلّة على اليهود ، وارتداد جملة من الامّة بعد موت النبيّ صلى الله عليه وآله ، وفتح البلدان ودخول مكّة للعمرة وغير ذلك .
تذييل [ وجه إعجاز القرآن ]
قد اختلف الناس في وجه إعجاز القرآن ، فالجمهور على أنّه لأجل كونه في أعلى طبقة من الفصاحة وأقصى درجة البلاغة على ما يعرفه فصحاء العرب بسليقتهم ، وعلماء
هامش
( 1 ) . الشفا بتعريف حقوق المصطفى ، ج 1 ، ص 262 .
( 2 ) . القصص ( 28 ) : 7 .
( 3 ) . تفسير القرطبي ، ج 13 ، ص 252 .
( 4 ) . المدّثّر ( 74 ) : 24 .
( 5 ) . النساء ( 4 ) : 82 .