بل يوجبه الجهل المركّب المشفوع بهيئة نفسانيّة وملكة ظلمانيّة يتأكّد منها في النفس سدٌّ بين يدي القلب وغشاوة على البصيرة .
وقال شارح المقاصد :
لا خلاف في أنّ من آمن بعد الكفر والمعاصي فهو من أهل الجنّة بمنزلة من لا معصية له ، ومن كفر - نعوذ باللَّه - بعد الإيمان والعمل الصالح فهو من أهل النار بمنزلة من لا حسنة له ، وإنّما الكلام في من آمن وعمل عملًا صالحاً وآخر سيّئاً - كما يشاهد من الناس - فعندنا مآله إلى الجنّة ولو بعد النار ، واستحقاقه للثواب والعقاب بمقتضى الوعد والوعيد ثابت من غير حبوط .
والمشهور من مذهب المعتزلة أنّه من أهل الخلود في النار إذا مات قبل التوبة ، فأشكل عليهمالأمر في إيمانه وطاعاته وما ثبت من استحقاقاته أين طارت ؟ وكيف ذلك ؟ فقالوا بحبوط الطاعات ، ومالوا إلى أنّ السيّئات يذهبن الحسنات ، حتّى ذهب الجمهور منهم إلى أنّ الكبيرة الواحدة تحبط ثواب جميع العبادات .
وفساده ظاهر :
أمّا سمعاً للنصوص الدالّة على أنّ اللَّه تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملًا وعمل صالحاً .
وأمّا عقلًا فللقطع بأنّه لا يحسن من الحكيم الكريم إبطال ثواب إيمان العبد ومواظبته على الطاعات طول العمر بتناول لقمة من الربا أو جرعة من الخمر .
قالوا : الإحباط مصرّح به في التنزيل كقوله تعالى :
لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ
« 1 » ،
أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ
« 2 » ،
لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى
« 3 » .
قلنا : لا بالمعنى الذي قصدتم ، بل المعنى أنّ من عمل عملًا [ صالحاً ] استحقّ به الذمّ ، وكان يمكن أن يعمله على وجه يستحقّ به المدح والثواب ، يقال : إنّه أحبط
هامش
( 1 ) . الحجرات ( 49 ) : 2 .
( 2 ) . التوبة ( 9 ) : 17 .
( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 264 .