أقول : وكيف كان ، فقد رويت هذه الفقرة أيضاً في عدّة أخبار أخر فيبقى الإشكال بحذافيره :
فمنها : ما رواه العيّاشيّ في سورة الكهف عن درست عن أبي عبداللَّه عليه السلام أنّه ذكر أصحاب الكهف ، فقال : « كانوا صيارفة كلام ولم يكونوا صيارفة دراهم » « 1 » ونحوه غيره .
وكيف كان ، فقد ذكر علماؤنا رضي اللَّه عنهم لتوجيهه وجوهاً :
الأوّل : أن يكون « يعنى » و « لم يعْن » بصيغة المفعول ، فيكون المراد : أنّ الحسن وهم في تأويل ما روي في الصيارفة ، فإنّ المعنيّ بها : صيارفة الكلام لا صيارفة الدراهم بناءاً على ما ورد من قول رسول اللَّه صلى الله عليه وآله من التهديد لمن يصرّف الكلام في المواعيد وغيرها .
الثاني : أنّ الفعلين المذكورين مبنيّان للفاعل ، أي يعني رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فيما ورد منه في ذمّ الصيرفيّ : صيرفيّ الكلام ، كما نبّه عليه ، وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله « 2 » وذكر تهديده لمن يصرّف الكلام في المواعيد وغيرها ، وحاصله يرجع إلى ما قبله ، والفرق إنّما هو في الصيغة .
الثالث : أنّ المعنى : أنّ صرف الكلام في مقام التقيّة أمر ممدوح وإن كان في غيره مذموماً ، ومقصود الإمام عليه السلام من بيان أنّهم كانوا صيارفة الكلام الترغيب في استعمال التقيّة .
ويؤيّده ما روي عن الراونديّ في قصص الأنبياء عن الصادق عليه السلام وذكر أصحاب الكهف ، فقال : « لو كلّفكم قومكم بما كلّفهم قومهم ما فعلتم فعلهم » . فقيل له : وما كلّفهم قومهم ؟ قال : « كلّفوهم الشرك باللَّه ، فأظهروه لهم وأسرّوا الإيمان حتّى جاءهم الفَرَج » .
وقال : « إنّ أصحاب الكهف كذّبوا فآجرهم اللَّه ، وصدقوا فآجرهم اللَّه » .
وقال : « كانوا صيارفة الكلام ولم يكونوا صيارفة الدراهم » .
وقال : « خرج أهل الكهف على غير ميعاد ، فلمّا صاروا في الصحراء أخذ هذا على
هامش
( 1 ) . تفسير العيّاشي ، ج 2 ، ص 322 .
( 2 ) . كذا في النسخ والمطبوع .