وذكر بعض المحقّقين بعد ذكره هذا الكلام أنّ هذا الكلام جيّدٌ إلّاأنّه لم يأت على الإشكال الذي في الباب .
ويمكن أن يقال : إنّه لمّا كان الصيرفيّ كما يطلق على صيرفيّ النقود كذلك يطلق على صيرفيّ الكلام بالزيادة والتحسين لتحصيل مطلبه منه ، واستشهد بكلام أهل اللغة على هذا الإطلاق .
قال : وأهل الكهف كانوا صيارفة بالمعنى الثاني يعني جهابذة نقّاداً يفصلون بين مبهرج « 1 » الكلام وصحيحه ، ويميّزون بين خطئه وصوابه ؛ فالواجب أن يقال هنا : إنّه إذا كان الأمر كذلك فكيف يتّجه ذمّ صيارفة الدراهم والإزراء بهم مطلقاً إلى الحدّ الذي ذكره الحسن البصريّ ؟ إذ المدح والذمّ والثواب والعقاب لا يناط بمجرّد الإطلاقات اللفظيّة من حيث هي ، وإنّما يناط بالمعاني ، ولا شبهة في أنّ الفصل بين الصحيح والرديء في الجملة من حيث هو فصل وتمييز ليس بمحرّم ولا مكروه ، وإنّما المحرّم والمكروه فصل خاصّ يقع من بعض الصيارفة « 2 » .
الرابع : ما قاله بعضهم وحاصله : أنّه ليس في لفظ الصيرفيّ ولا في معناه ما يوجب مقالة الحسن البصريّ ؛ لتحقّقها في أهل الكهف وغيرهم من الصلحاء ، أمّا اللفظ فظاهر ، وأمّا في المعنى فلأنّ معنى الصرف هو المحتال المتصرّف في الأمور - على ما صرّح به أهل اللغة - وذلك مشترك بين أصحاب الكهف باعتبار تصرّفهم في الكلام وتمييز الصحيح منه من الفاسد ، واختبار الصحيح للعمل ، وصيارفة الدراهم والدنانير وتبديلها وتمييزهم بين الجيّد والمزيّف ، وإذا كان النقد ممّا لم ينه عنه الشارع كما نبّه عليه بقوله عليه السلام : « خذ سواءاً واعط سواءاً » ، كتصرّف أصحاب الكهف في الكلام ، ولا قصور في الصيرفيّ من حيث هو صيرفيّ ، ولا من حيث هو صيرفيّ الدراهم ، بل القصور لو كان في تصرّفه الخاصّ « 3 » . انتهى .
هامش
( 1 ) . في المصدر : « هرج الكلام » .
( 2 ) . الدرر النجفيّة ، ج 3 ، ص 201 - 203 .
( 3 ) . لم نقف عليه .