تَستُرُ الذَّنبَ بِكَرَمِكَ وتُؤَخِّرُ العُقوبَةَ بِحِلمِكَ « 89 » فَلَكَ الحَمدُ عَلى حِلمِكَ بَعدَ عِلمِكَ وعَلى عَفوِكَ بَعدَ قُدرَتِكَ « 90 » ويَحمِلُني ويُجَرِّئُني عَلى مَعصِيَتِكَ حِلمُكَ عَنّي « 91 » ويَدعوني إلى قِلَّةِ الحَياءِ سَترُكَ عَلَيَّ « 92 » ويُسرِعُني إلَى التَّوَثُّبِ عَلى مَحارِمِكَ مَعرِفَتي بِسَعَةِ رَحمَتِكَ وعَظيمِ عَفوِكَ « 93 »
إنّ اللَّه سبحانه يستر عيوب عباده ، ومن أسمائه الحسنى « ستّار العيوب » ، ولا يفضحهم بالمبادرة ولا يعجل في مؤاخذتهم بالخطيئة ؛ لأنّه كريم ، والكريم هو السخي المعطاء ، وقيل : هو من يوصل النفع بلا عوض ، فالكرم هو إفادة ما ينبغي لا بعوض .
« وتؤخّر العقوبة بحلمك » ، والحلم - بالكسر - : الأناة ، وضدّ الطيش ، والعقل ، والحليم من له الأناة يتحمّل ويصبر ، قال تعالى :
« وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ »
« 1 » و
« لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ »
، « 2 » أمر اللَّه سبحانه بالحلم والعفو بعد المقدرة ، ولهما أثر خاصّ في هداية الإنسان وتربيته وسوقه إلى الكمال ، وإن كان قد يتجرّأ الإنسان على حليمٍ لحلمه أو على الكريم لكرمه .
وهذان الوصفان من الصفات العالية الكاملة ، ومن أسماء اللَّه تعالى الكريم الحليم ، وإن كانا سبباً لتجرّي العباد وارتكابهم ما لا يرضى ، إلّاأنّ لهما أثراً حسناً في تربية العباد وتحلّيهم بالمكارم وتأدّبهم من أحسن طريق ، فلا يؤاخذهم إلّابعد الأناة وإتمام الحجّة ، ولذلك ورد في الحديث في وصف العلم : « علم معه حلم » ، « 3 » ثمّ حمد تعالى على حلمه بعد علمه ، وأثنى عليه سبحانه بأن حلم عنه وتأنّى ولم يعاجله بالعقوبة ، وعلى عفوه بعد قدرته بقبول التوبة .
نعم ، قد يكون التأخير إملاءً واستدراجاً ، قال سبحانه :
« إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ »
« 4 » وقال تعالى :
« وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ »
، « 5 » وقال تعالى :
« فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا
هامش
( 1 ) . يونس : 11 .
( 2 ) . الكهف : 58 .
( 3 ) . انظر : بحار الأنوار : ج 44 ص 196 .
( 4 ) . إبراهيم : 41 .
( 5 ) . الأعراف : 182 .