وقوّته ، ويُنسب إليه كما يُنسب إلى الإنسان ؛ لأنّه صدر عن أمره وإرادته التشريعيّة والتكوينيّة ورضاه ، وما يرتكبه من القبائح لا يُنسب إليه تعالى ؛ لأنّه لم يكن عن أمره ورضاه ، بل هو لفاعله وإن كان ذلك بحوله وقوّته ، وهو القادر على ما أقدرهم عليه والمالك لما ملّكهم ، فكلّ حسنة منه تعالى والحمد له ، وكلّ قبيح ليس منه ؛ لأنّه لا يرضاه بل ينهى عنه ، قال تعالى :
« ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ » .
« 1 » « الذي أدعوه فيجيبني » تقدّم الكلام في أمره تعالى عباده بالدعاء ودعاء العبد إيّاه سبحانه وإجابته تعالى إيّاهم ، والمراد من هذه الجملة تحقّق وعده تعالى بالإجابة .
« وإن كنت بطيئاً حين يدعوني
» البُطءُ بالضّم تأخّر الانبعاث في السير . . . فبطءُ إذا تخصّص بالبطؤ وتباطأ : تحرّى وتكلّف ذلك ، « 2 » ومنه الخبر : «
من بطأ به عمله لم ينفعه نسبه
» ، أي من أخّره عمله السيّئ وتفريطه في العمل الصالح لم ينفعه في الآخرة شرف النسب ، قاله الجوهري . « 3 » الإنسان بحسب طبعه وغرائزه وشهواته يميل إلى خلاف ما أمر اللَّه تعالى ، وهواه يمنعه عن المبادرة إلى الطاعة ، قال تعالى :
« وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى » .
« 4 » والإنسان مجبول على غرائزه ، كما أنّه مجبول على معرفته تعالى كما تقدّم ، ولكنّ الهوى يغلب عليه ويمنعه عن الطاعة ؛ لأنّ طاعته تعالى ورضاه فيما يخالف هواه ، فبالنتيجة يكون إجابة العبدٍ ربّه يحصل عن بطء ، يأمره بالإنفاق وحبّ المال يمنعه ، ويأمره بالعبادة وحبّ الراحة يمنعه ، وكذا الجهاد وترك المعاصي ؛ لأنّ كلّها خلاف ما يهواه ويميل إليه وزيّنه الشيطان ، فالعبدٍ يبطئ إذا دعاه ، بل يعصي ويخالف ويتبع هواه .
فطوبى لعبدٍ قدّم هوى مولاه على هواه ، ورضاه على رضاه ، بل كان هواه في طاعة مولاه ، وعبادته مناجاته ، يلتذّ بالطاعة ولا يهوى إلّاما يهوى مولاه ، ولا يحبّ إلّاما يحبّه
هامش
( 1 ) . النساء : 79 .
( 2 ) . مفردات ألفاظ القرآن : ص 52 .
( 3 ) . النهاية لابن الأثير : ج 1 ص 134 ، لسان العرب : ج 1 ص 34 ، مجمع البحرين : ج 1 ص 209 .
( 4 ) . النازعات : 40 - 41 .