بقوله :
« إِذا دَعانِ »
، وهذا القيد الغير الزائد عن نفس المقيّد بشيء يدلّ على اشتراط الحقيقة دون التجوّز والشبه .
فإن قلنا : أصغ إلى قول الناصح إذا نصحك ، أو أكرم العالم إذا كان عالماً ، يدلّ على لزوم اتّصافه بما يقتضيه حقيقة . . . فقوله تعالى :
« إِذا دَعانِ »
، إلخ ، يدلّ على أنّ وعد الإجابة المطلقة إنّما إذا كان الداعي داعياً بحسب الحقيقة ، مريداً بحسب العلم الفطري والغريزي ، مواطئاً لسانه قلبه ، فإنّ حقيقة الدعاء والسؤال هو الذي يحمله القلب ويدعو به لسان الفطرة . . . فهم فيما لا يحصونها من النعم داعون سائلون ولم يسألوها بلسانهم الظاهر ، بل بلسان فقرهم واستحقاقهم لساناً فطريّاً وجودياً . . . فالسؤال الفطري من اللَّه سبحانه لا يتخطّى الإجابة ، فما لا يستجاب من الدعاء ولا يصادف الإجابة فقد فقدَ أحد الأمرين :
وهما اللّذان ذكرهما بقوله :
« دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ » .
فإمّا أن يكون لم يتحقّق هناك دعاء وإنّما التبس الأمر على الداعي التباساً ، كأن يدعو الإنسان فيسأل ما لا يكون وهو جاهل بذلك ، أو يسأل ما لا يريده لو انكشفت عليه حقيقة الأمر ، مثل أن يدعو ويسأل شفاء المريض لا إحياء الميّت . . . .
وإمّا أنّ السؤال متحقّق لكن لا من اللَّه وحده ، كمن يسأل حاجة من حوائجه وقلبه متعلّق بالأسباب المادّية ، أو بأُمور وهمية ، توهّمها كافية في أمره مؤثّرة في شأنه ، فلم يخلص الدعاء من اللَّه سبحانه ، فلم يسأل اللَّه بالحقيقة .
إلى أن قال - بعد ذكر الآيات - : وهي تشتمل على أركان الدعاء وآداب الداعي ، وعمدتها الإخلاص في دعائه تعالى ، وهو مواطاة القلب اللسان ، والانقطاع عن كلّ سبب دون اللَّه ، والتعلّق به تعالى ، ويلحق به الخوف والطمع والرغبة والرهبة والخشوع والتضرّع والإصرار والذكر وصالح العمل والإيمان وأدب الحضور ، وغير ذلك ممّا تشتمل عليه الروايات » . « 1 » أقول : ملخص كلام الأُستاذ : إنّ الدعاء الذي وعد اللَّه سبحانه إجابته ، لها شروط مستفادة من نفس الآية الكريمة :
هامش
( 1 ) . الميزان في تفسير القرآن : ج 2 ص 34 - 35 .