« يا قديم الإحسان » حين لم يكن الإنسان شيئاً مذكوراً ولا موجوداً ترابيّاً ، لم يكن يقدر على شيء ، فاللَّه سبحانه أحسن إليه ، حتّى صار شيئاً مذكوراً منيّاً يُمنى ، ثمّ علقة ومضغة وجنيناً وحيّاً ، حتّى خرج إلى الدنيا ضعيفاً عاجزاً مهيناً ، فعطف اللَّه سبحانه عليه قلوب الحواضن والأُمّهات الرواحم ، فحفظوه وربّوه وغذوه . . . ، ثمّ هداه وعلّمه وفهّمه . . . .
يستشفع إلى اللَّه بعظيم منّه وقديم إحسانه ، ثمّ قال :
« أين سترك الجميل ؟ » إنّ اللَّه سبحانه يحيط بأعمال عباده ، وهو أقرب إلى عبده من حبل الوريد ، بل يحول بين المرء وقلبه ، ولا يخفى عليه مثقال ذرّة في السماوات والأرض ، وهو يرى ويشاهد فضائح أعمالهم ونيّاتهم ، ويستر عليهم ولا يفضحهم ستراً جميلًا ، ولعلّ المراد بالستر الجميل الستر بالعفو ، كما في قوله عليه السلام : «
سترتني بعفوك
» ، « 1 » أو ستر العافية ، كما في قوله عليه السلام «
استرني بستر عافيتك » . « 2 »
« أين عفوك الجليل ؟ » يصف عفوه سبحانه بالجليل ؛ لأنّ عفوه يشمل الخطايا الجليلة ، كما في الصحيفة : «
عالم بأنّ العفو عن الذنب العظيم لا يتعاظمك ، وأنّ التجاوز عن الإثم الجليل لا يتصعّبك » . « 3 » « أين فرجك القريب ؟
» الفرج - بفتحتين - : اسم من فرّج اللَّه الغمّ بتشديد كشفه ، وفي الصحيفة : «
وإغاثتك قريبة من المستغيثين
» ، « 4 » ولعلّ القرب من أجل أنّه عالم بما حلّ على عبده وقادر على رفعه ، وبيده أزمّة الأُمور ، وبإرادته تنكشف الشدائد ، فلا يحتاج الفرج إلى مدّة وزمان ،
« إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ » .
« 5 » «
أين غياثك السريع ؟
» الغوث : الإعانة والنصرة ، والغياث : ما أغاثك اللَّه به ، والغوث يقال في النصرة ، والغيث في المطر :
« أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ »
، « 6 » وفي الدعاء : «
وإغاثتك قريب من المستغيثين » . « 7 »
هامش
( 1 ) . الصحيفة السجّادية : الدعاء 32 .
( 2 ) . الصحيفة السجّادية : الدعاء 31 .
( 3 ) . الصحيفة السجّادية : الدعاء 12 .
( 4 ) . المصدر السابق : الدعاء 46 .
( 5 ) . البقرة : 186 .
( 6 ) . البقرة : 214 .
( 7 ) . الصحيفة السجّادية : الدعاء 46 .