فَسَلَّمَ ، ثُمَّ وَقَفَ ، فَانزَجَلَ « 1 » لَهُ أبو سَعيدٍ ، فَجَذَبَ الحُسَينُ عليه السلام أبا سَعيدٍ إلَيهِ ثُمَّ تَرَكَهُ ، فَانزَجَلَ لَهُ ، فَجَلَسَ بَينَهُما .
فَقالَ لَهُ أبو سَعيدٍ : حَديثُكَ يا عَبدَ اللَّهِ .
قالَ عَبدُ اللَّهِ : نَعَم ، قُلتُ ذلِكَ ، وأشهَدُ أنَّهُ أحَبُّ أهلِ الأَرضِ إلى أهلِ السَّماءِ .
قالَ لَهُ الحُسَينُ عليه السلام : أفَتَعلَمُ أنّي أحَبُّ أهلِ الأَرضِ إلى أهلِ السَّماءِ ، وتُقاتِلُني أنَا وأبي يَومَ صِفّينَ ؟ ! وَاللَّهِ إنَّ أبي لَخَيرٌ مِنّي !
قالَ عَبدُ اللَّهِ : أجَل ، وَاللَّهِ ما أكثَرتُ لَهُم سَواداً ، ولَا اختَرَطتُ سَيفاً « 2 » مَعَهُم ، ولا رَمَيتُ مَعَهُم بِسَهمٍ ، ولا طَعَنتُ مَعَهُم بِرُمحٍ ، ولكِن كانَ أبي قَد شَكاني إلى رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله ، وقالَ : هُوَ يَصومُ النَّهارَ ويَقومُ اللَّيلَ ، وقَد أمَرتُهُ أن يَرفُقَ بِنَفسِهِ ، فَقَد عَصاني .
فَقالَ لي رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله : « أطِع أباكَ » ، فَلَمّا دَعاني إلَى الخُروجِ مَعَهُ ، فَذَكَرتُ قَولَ رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله : « أطِع أباكَ » ، فَخَرَجتُ مَعَهُ .
فَقالَ لَهُ الحُسَينُ عليه السلام : أما سَمِعتَ قَولَ اللَّهِ عز وجل :
« وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما »
« 3 » ، وقَولَ رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله : « إنَّمَا الطّاعَةُ فِي المَعروفِ » ، وقَولَهُ :
« لا طاعَةَ لِمَخلوقٍ في مَعصِيَةِ الخالِقِ » ؟ !
قالَ : بَلى ، قَد سَمِعتُ ذلِكَ يَابنَ رَسولِ اللَّهِ ، وكَأَنّي لَم أسمَعهُ إلَّااليَومَ . « 4 »
راجع : ص 371 ( ربّ ذنب أحسن من الاعتذار منه ) .
هامش
( 1 ) . هكذا في المصدر ، وفي المعجم الأوسط : « فزَحَلَ له » ، والظاهر أنّه الصواب ، قال ابن الأثير : يقال : زَحَلَالرجلُ عن مقامه وتزحَّلَ : إذا زالَ عنه ( النهاية : ج 2 ص 298 « زحل » ) .
( 2 ) . اختَرَطَ سَيفَهُ : أي سَلَّهُ من غِمدِه ( النهاية : ج 2 ص 23 « خرط » ) .
( 3 ) . لقمان : 15 .
( 4 ) . شرح الأخبار : ج 1 ص 145 ح 84 ؛ المعجم الأوسط : ج 4 ص 181 ح 3917 ، أسد الغابة : ج 3 ص 347 الرقم 3092 ، تاريخ دمشق : ج 31 ص 275 كلّها نحوه ، كنز العمّال : ج 11 ص 343 ح 31695 .