كانَت يَومَئذٍ مُرتَهَنَةً . ثمَّ قالَ : " إيتِني بِالمُرتَجِز « 1 » وَالعَضباءِ « 2 » ، إيتِني بِاليَعفورِ « 3 » وَالدُّلدُلِ « 4 » " . فَأتى بِها ، فَأوقَفَها بِالبابِ .
ثمَّ قالَ : " إيتِني بِالأتحَمِيَّةِ « 5 » وَالسَّحابِ « 6 » " . فَأتاهُ بِهِما . فلَم يَزَل يَدعو بِشَيءٍ شَيءٍ ، فَافتَقَدَ عِصابَةً كانَ يَشُدُّ بِها بَطنَهُ فِي الحَربِ ، فَطَلَبَها فَاتِيَ بِها ، وَالبَيتُ غاصٌّ يَومَئذٍ بِمَن فيهِ مِنَ المُهاجِرينَ وَالأنصارِ .
ثمَّ قالَ : " يا عَلِيُّ ، قُم فَاقبِض هذا " ، ومَدَّ إصبَعَهُ ، وقالَ : " في حَياةٍ مِنّي ، وشَهادَةِ مَن فِي البَيتِ ، لِكَي لا يُنازِعَكَ أحَدٌ مِن بَعدي " .
فقُمتُ وما أكادُ أمشي عَلى قَدَمٍ ، حَتّى استَودَعتُ ذلِكَ جَميعاً مَنزِلي .
فَقالَ : " يا عَلِيُّ أجلِسني " . فَأجلَستُهُ وأسَنَدتُهُ إلى صَدري » .
قالَ عَلِيٌّ عليه السلام : « فَلَقَد رَأيتُ رَسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وإنَّ رَأسَهُ لَيَثقُلُ ضَعفاً ، وهُوَ يَقولُ - يُسمِعُ أقصى أهلِ البَيتِ وأدناهُم - :
" إنَّ أخي ووَصِيّي ووَزيري وخَليفَتي في أهلي عَلِيُّ بنُ أبي طالِبٍ ، يَقضي دَيني ، ويُنجِزُ مَوعِدي . يا بَني هاشِمٍ ، يا بَني عَبدِ المُطَّلِبِ ، لا تُبغِضوا عَلِيّاً ، ولا تُخالِفوا أمرَهُ فَتَضِلّوا ، ولا تَحسِدوهُ وتَرغَبوا عنهُ فَتَكفُروا . أضجِعني يا عَلِيُّ " . فأضجَعتُه فقالَ : " يا بِلالُ ائتِني بِوَلَدِيَ الحَسَنِ وَالحُسينِ " .
فَانطَلقَ فجاءَ بِهِما فَأسنَدَهُما إلى صَدرهِ ، فَجَعلَ صلى الله عليه وآله يَشُمُّهُما » .
قالَ عَليٌّ عليه السلام : « فَظَنَنتُ أنَّهما قَد غَمّاه » قالَ أبو الجارودِ : يَعني أكرَباهُ « فذَهَبتُ
هامش
( 1 ) . المُرتجز : فرس لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، سمّي به لحُسن صهيله . انظر : النهاية : ج 2 ص 200 ( رجز ) .
( 2 ) . العَضباء : هي ناقة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله . النهاية : ج 2 ص 102 ( دجن ) .
( 3 ) . اليعفور : تيَسُ الظباء ، أو ولد البقرة الوحشيّة ، وبه لُقّب حمارُ النبيّ صلى الله عليه وآله . مجمع البحرين : ج 2 ص 1236 ( عفر ) .
( 4 ) . دُلدُل : اسم بغلة النبيّ صلى الله عليه وآله . النهاية : ج 2 ص 129 ( دلدل ) .
( 5 ) . الأتحميّة : ضَربٌ من البرود . والمُتَحَّمَة : برد معروف من برود اليمن . والتَّحَمَة : البرودالمخطّطة بالصّفرة . تاج العروس : ج 11 ص 71 ( تحم ) .
( 6 ) . السَّحاب : اسم عمامة النبي صلى الله عليه وآله ، سُمّيت به تشبيهاً بسحاب المطر ؛ لانسحابه في الهواء . النهاية : ج 2 ص 345 ( سحب ) .