وزادت كراهيته لها قال : « من النار وإلى النار » ، أيهذا من طعام أهل النار ، وما يليق بعذاب أهل النار ، كما يقول أحدنا ذلك فيما يستوبئه ويكرهه .
ويجوز أن يكون فوران الدّخان عند الإلقاء لها كان على سبيل التصديق ؛ لقوله عليه السلام : « من النار إلى النار » وإظهار معجز له .
وأمّا ذم الأرضين السّبخة ، والقول بأنّها جحدت الولاية ، فمتى لم يكن محمولًا معناه على ما قدّمناه من جحد أهل هذه الأرض وسكانها الولاية لم يكن معقولًا ؛ ويجري ذلك مجرى قوله تعالى :
« وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ » .
« 1 »
وأمّا إضافة اعتقاد الحقّ إلى بعض البهائم ، واعتقاد الباطل والكفر إلى بعض آخر ، فممّا تخالفه العقول والضرورات ؛ لأنّ هذه البهائم غير عاقلة ولا كاملة ولا مكلّفة ، فكيف تعتقد حقّاً أو باطلًا ؟ !
وإذا ورد أثر في ظاهره شيء من هذه المحاولات ، إمّا اطّرح أو تؤوّل على المعنى الصحيح ، وقد نهجنا طريق التأويل ، وبيّنا كيف التوصل إليه .
فأمّا حكايته تعالى عن سليمان عليه السلام :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ »
« 2 » فالمراد به أنّه علّم ما يفْهم به ما ينطق به الطير ، وتتداعى في أصواتها وأغراضها ومقاصدها بما يقع منها من صياحٍ على سبيل المعجزة لسليمان عليه السلام .
فأمّا الحكاية عن النملة بأنّها قالت :
« يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ »
« 3 » ؛ فقد يجوز أن يكون المراد به أنّه ظهر منها دلالة القول على هذا المعنى ، وأشْعَرَت باقي النمل ، وخوّفهم من الضرر بالمقام ، وأنَّ النجاة في الهرب إلى
هامش
( 1 ) . الطلاق : 8 .
( 2 ) . النمل : 16 .
( 3 ) . النمل : 18 .