بِمُؤتَةَ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله عَلَى المِنبَرِ وَكُشِفَ لَهُ ما بَينَهُ وَبَينَ الشّامِ ، فَهُوَ يَنظُرُ إِلى مُعتَرَكِهِم ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله : أَخَذَ الرّايَةَ زَيدُ بنُ حارِثَةَ ، فَجاءَهُ الشَّيطانُ فَحَبَّبَ إِلَيهِ الحَياةَ وَكَرَّهَ إِلَيهِ المَوتَ وَحَبَّبَ إِلَيهِ الدُّنيا ! فَقالَ : الآنَ حِينَ استَحكَمَ الإِيمانُ فِي قُلُوبِ المُؤمِنِينَ تُحَبِّبُ إِلَيَّ الدُّنيا ؟ ! فَمَضى قُدُماً حَتَّى استُشهِدَ . فَصَلَّى عَلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله ، وَقالَ : استَغفِرُوا لَهُ فَقَد دَخَلَ الجَنَّةَ وَهُوَ يَسعى .
ثُمَّ أَخَذَ الرّايَةَ جَعفَرُ بنُ أَبِي طالِبٍ ، فَجاءَهُ الشَّيطانُ فَمَنّاهُ الحَياةَ وَكَرَّهَ إِلَيهِ المَوتَ وَمَنّاهُ الدُّنيا ! فَقالَ : الآنَ حِينَ استَحكَمَ الإِيمانُ فِي قُلُوبِ المُؤمِنِينَ تُمَنِّينِي الدُّنيا ؟ ! ثُمَّ مَضى قُدُماً حَتَّى استُشهِدَ . فَصَلَّى عَلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وَدَعا لَهُ ، ثُمَّ قالَ : استَغفِرُوا لِأَخِيكُم فَإِنَّهُ شَهِيدٌ ، دَخَلَ الجَنَّةَ فَهُوَ يَطِيرُ فِي الجَنَّةِ بِجَناحَينِ مِن ياقُوتٍ حَيثُ يَشاءُ مِنَ الجَنَّةِ .
ثُمَّ أَخَذَ الرّايَةَ بَعدَهُ عَبدُ اللَّهِ بنُ رَواحَةَ ، فَاستُشهِدَ وَدَخَلَ الجَنَّةَ مُعتَرِضاً . فَشَقَّ ذلِكَ عَلَى الأَنصارِ ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله : أَصابَهُ الجِراحُ . قِيلَ : يا رَسُولَ اللَّهِ ما اعتِراضُهُ ؟ قالَ : لَمَّا أَصابَتهُ الجِراحُ نَكَلَ « 1 » ، فَعاتَبَ نَفسَهُ فَشَجُعَ ، فَاستُشهِدَ فَدَخَلَ الجَنَّةَ . فَسُرِّيَ عَن قَومِهِ . « 2 »
هامش
( 1 ) . نَكَلَ : امتَنَعَ ، وترك الإقدام ( النهاية : ج 5 ص 116 « نكل » ) .
( 2 ) . المغازي : ج 2 ص 761 ، البداية والنهاية : ج 4 ص 246 ؛ الثاقب في المناقب : ص 101 ح 94 عن ابن شهاب ، الدرجات الرفيعة : ص 75 وراجع : الخرائج والجرائح : ج 1 ص 166 ح 256 .