الإبطال بمقتضى وضع باب الإفعال إحداث البطلان في العمل الصحيح وجعله باطلا نظير قولك أقمت زيدا أو أجلسته أو أغنيته والآية بهذا المعنى راجعة إلى النهي عن جعل العمل لغوا لا يترتب عليه أثر كالمعدوم بعد أن لم يكن كذلك فالإبطال هنا نظير الإبطال في قوله تعالى
لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى
بناء على أن النهي عن تعقيبها بهما بشهادة قوله تعالى
ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً
الآية الثاني أن يراد به إيجاد العمل على وجه باطل من قبيل قوله ضيق فم الركية يعني أحدثه ضيقا لا أحدث فيه الضيق بعد السعة والآية بهذا المعنى نهي عن إتيان الأعمال مقارنة للوجوه المانعة عن صحتها أو فاقدة للأمور المقتضية للصحة والنهي على هذين الوجهين ظاهره الإرشاد إذ لا يترتب على إحداث البطلان في العمل أو إيجاده باطلا عدا فوت مصلحة العمل الصحيح .
الثالث أن يراد من إبطال العمل قطعه ورفع اليد عنه كقطع الصلاة والصوم والحج وقد اشتهر التمسك بحرمة قطع العمل بها ويمكن إرجاع هذا إلى المعنى الأول بأن يراد من الأعمال ما يعم الجزء المتقدم من العمل لأنه أيضا عمل لغة وقد وجد على وجه قابل لترتب الأثر وصيرورته جزء فعليا للمركب فلا يجوز جعله باطلا ساقطا عن قابلية كونه جزء فعليا فجعل هذا المعنى مغايرا للأول مبني على كون المراد من العمل مجموع المركب الذي وقع الإبطال في أثنائه .
وكيف كان فالمعنى الأول أظهر لكونه المعنى الحقيقي ولموافقته لمعنى الإبطال في الآية الأخرى المتقدمة ومناسبته لما قبله من قوله تعالى
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ
فإن تعقيب إطاعة الله وإطاعة الرسول بالنهي عن الإبطال يناسب الإحباط لا إتيان العمل على الوجه الباطل لأنها مخالفة لله والرسول هذا كله مع ظهور الآية في حرمة إبطال الجميع فيناسب الإحباط بمثل الكفر لا إبطال شيء من الأعمال الذي هو المطلوب .
ويشهد لما ذكرنا مضافا إلى ما ذكرنا ما ورد من تفسير الآية بالمعنى الأول ( فعن الأمالي وثواب الأعمال عن الباقر عليه السلام قال قال رسول الله صلى اللَّه عليه وآله : من قال سبحان الله غرس له الله بها شجرة في الجنة ومن قال الحمد لله غرس الله له بها شجرة في الجنة ومن قال لا إله إلا الله غرس