[ 115 ] غرر في امتناع الخلاء [ 1 ]
شرح
[ 1 ] الخلاء في الكتب الحكمية يطلق تارة على المكان بمعناه البعد المجرد عن المادة سواء كان فارغا أو مشغولا كما ذهب إليه أفلاطون والإشراقيون على ما علم آنفا في غرر في المكان ، وتارة على المكان الخالي عن الشاغل وهذا المعنى هو المراد هاهنا وأكثر إطلاق الخلاء هو هذا المعنى .
قال المحقق الطوسي في شرحه على الفصل الثلاثين من النمط الأول من الإشارات ( ط 1 - ص 38 ) :
القائلون بالخلاء فرقتان فرقة تزعم أنه لا شيء محض ، وفرقة تزعم أنه بعد ممتدّ في جميع الجهات من شأنه أن تشغله الأجسام بالحصول فيه ( وهو الذي يسمى بعدا مفطورا ) ويكون مكانا لها . . . » .
وقال الشيخ في أوّل الفصل الثامن من ثانية طبيعيات الشفاء ( ط 1 - ص 55 ) : « وأما القائلون بالخلاء فأول ما يجب علينا هو أن نعرّفهم أن الخلاء ليس لا شيء مطلقا كما يظن منهم قوم كثير ، وأنه إن كان الخلاء لا شيء البتة فليس هاهنا منازعة بيننا وبينهم فليكن الخلاء شيئا حاصلا ولنسلّم هذا لهم . . . » .
ثم قال المحقق الطوسي في الموضع المذكور من شرحه على الإشارات : « وقال الفاضل الشارح : يعني بالخلاء أن يوجد جسمان لا يتلاقيان ولا يوجد بينهما ما يلاقي واحدا منهما » ، فقال المحقق في ردّ الفخر الرازي أي في ردّ ذلك الفاضل الشارح : « وأقول : هذا تعريف للخلاء الذي يكون بين الأجسام وهو الذي يسمّى بعدا مفطورا ولا يتناول الذي لا يتناهى » .
وقال البيرجندي في شرحه على التذكرة في الهيئة : « ذهب طائفة إلى القول بالخلاء فمنهم من قال إنه أمر موهوم وافترقوا فرقتين فرقة قالوا إن وراء العالم خلاء يتناهي وفرقة قالوا لا خلاء وراء العالم ولا ملاء ولكن من أجسام العالم ما هي غير متماسة ولا يوجد بينها ما يماسّها . ومنهم من قال إنه بعد موجود مجرد في نفسه عن المادة وذهب جمهور الحكماء إلى أن الخلاء مطلقا محال . . . » .
أقول : إن براهين تناهي الأبعاد تنادي بتناهي البعد إلى محدّب الفلك المحيط الذي هو الفلك التاسع الأعظم على ما ذهبوا إليه ، فليس فوقه ملاء ؛ وبراهين إبطال الخلاء تحاكي بأن فوقه أعني فوق محدّب ذلك الفلك ليس خلاء ، ولذا قالوا : ليس فوقه خلاء ولا ملاء ، ولك أن ترجع وتسأل الفيلسوف عن ما ليس بخلاء وملاء وليس أيضا من وراء هذا العالم الطبيعي الأدنى فما هي !