الجزء الثاني
[ بقية الباب الأول : في تفسير المفردات ، وذكر أحكامها ]
- حرف السين المهملة -
[ السين المفردة : ]
* السين المفردة : حرف يختصّ بالمضارع ، ويخلّصه للاستقبال ، وينزل منه منزلة الجزء ؛ ولهذا لم يعمل فيه مع اختصاصه به ، وليس مقتطعا من « سوف » خلافا للكوفيّين ،
شرح
( حرف السين المهملة ) ( السين المهملة حرف يختص به المضارع ) فلا يوجد في غيره أصلا ( ويخلصه للاستقبال ) بعد أن كان قبل وجوده صالحا له للحال ، فإن قلت : يقدح في ذلك قول الشاعر :فإني لست خاذلكم ولكن * سأسعى الآن إذ بلغت مناها « 1 »فإن الآن للزمن الحاضر فيدفع الاستقبال ، قلت : قد اعتذر عنه بأن مراده بالآن التقريب قال في « الجنى الداني » وقد لا يحتاج إلى التأويل بالتقرب بل يقال : إنه مقدر بمن كأنه قال :
سأسعى من الآن قلت : فيستحيل المعنى حينئذ ؛ لأن السعي مستقبل بشهادة السين فكيف يكون ابتداؤه زمانا خاليا ، وما هو إلا بمنزلة أن يقال سأسير غدا من الآن مريدا بالآن حقيقته من غير تأويل ، واستحالته ظاهرة ( ويتنزل منه منزلة الجزء ) فكأنه بعض أجزاء المضارع ( ولهذا لم يعمل فيه مع اختصاصه به ) وكل حرف اختص باسم أو فعل عمل فيه ، فتخلف العمل هنا لهذا العارض ( وليس مقتطعا من سوف خلافا للكوفيين ) فإنهم ادّعوا أن السين في نحو : سيقوم زيد مأخوذ من سوف ، فالتنفيس في الحقيقة إنما هو بسوف ، ولكن حذف ما عدا صدرها تخفيفا ورجح ابن مالك مذهبهم بأنا قد اجتمعنا على أن سف وسو وسي فروع سوف ، فلتكن السين فرعها لئلا يلزم التخصيص من غير مخصص ، قال وقال بعضهم : لو كانت السين بعض سوف لكانت مدة التسويف بهما سواء ، وليس كذلك بل هي بسوف أطول فكانت كل واحدة أصلا برأسها ، وزيفه ابن مالك بأنها دعوى مردودة بالقياس والسماع .
أما القياس فهو أن الماضي والمستقبل متقابلان ، والماضي إنما يقصد به مطلق المضي دون تعرض لقرب الزمان وبعده ، فينبغي أن لا يقصد بالمستقبل إلا مطلق الاستقبال دون تعرض لقرب الزمان ، وبعده ليجري المتقابلان على سنن واحد ، والقول بتوافق سيفعل وسوف يفعل مصحح لذلك ، فكان المصير إليه أولى .
وأما السماع فتعاقب سيفعل وسوف يفعل على المعنى الواحد في وقت واحد ، قال اللّه
هامش
( 1 ) البيت من البحر الوافر ، وهو بلا نسبة في الجنى الداني ص 59 ، ورصف المباني ص 397 . ا ه . انظر :
المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية 8 / 282 .