تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عين الحياة — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
أسفارهم ، وغاية لملقى رحالهم ، تهوى إليه ثمار الأفئدة من مفاوز قفار سحيقة « 1 » ، ومهاوي « 2 » فجاج « 3 » عميقة ، وجزائر بحار منقطعة ، حتى يهزّوا مناكبهم ذللا يهلّلون للّه حوله ، ويرملون على أقدامهم شعثا غبرا له . قد نبذوا السرابيل وراء ظهورهم ، وشوّهوا بأعفاء الشعور محاسن خلقهم ، ابتلاء عظيما ، وامتحانا شديدا ، واختبارا مبينا ، وتمحيصا بليغا ، جعله اللّه سببا لرحمته ، ووصلة إلى جنّته . ولو أراد سبحانه أن يضع بيته الحرام ، ومشاعره العظام ، بين جنات وأنهار وسهل وقرار ، جمّ الأشجار ، داني الثمار ، ملتفّ البنى ، متصل القرى ، بين برّة « 4 » سمراء ، وروضة خضراء ، وأرياف « 5 » محدقة ، وعراص مغدقة « 6 » ، ورياض ناظرة ، وطرق عامرة ، لكان قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء . ولو كان الأساس المحمول عليها ، والأحجار المرفوع بها ، بين زمرّدة خضراء ، وياقوتة حمراء ، ونور وضياء ، لخفّفت ذلك مصارعة الشك في الصدور ، ولوضع مجاهدة إبليس عن القلوب ، ولنقى معتلج الريب من الناس . ولكنّ اللّه يختبر عباده بأنواع الشدائد ، ويتعبّدهم بأنواع المجاهد ، ويبتليهم بضروب المكاره ، اخراجا للتكبّر من قلوبهم ، واسكانا للتذلّل في نفوسهم ، وليجعل ذلك أبوابا فتحا إلى فضله ، وأسبابا ذللا لعفوه .
هامش
( 1 ) السحيقة : البعيدة . ( 2 ) المهاوي : منخفضات الأراضي . ( 3 ) الفجاج : الطرق الواسعة بين الجبال . ( 4 ) البرّة : الحنطة ، والسمراء أجودها . ( 5 ) الأرياف : الأراضي الخصبة . ( 6 ) المغدقة : من أغدق المطر كثر ماؤه .