Skip to main content

دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — Page 403

Contributors:

P.403
أي في جميع ما ذكر من المحسّنات اللّفظيّة [ أن تكون الألفاظ تابعة للمعاني دون العكس ] أي لا أن تكون المعاني توابع للألفاظ ، بأن يؤتى بالألفاظ متكلّفة ( 1 ) مصنوعة فيتبعها المعنى كيفما كانت ، كما فعله بعض المتأخّرين الّذين لهم شغف بإيراد المحسّنات اللّفظيّة ، فيجعلون الكلام كأنّه غير مسبوق لإفادة المعنى ، ولا يبالون بخفاء الدّلالات ( 2 ) وركاكة المعنى ( 3 ) ، فيصير كغمد من ذهب على سيف من خشب ، بل الوجه أن تترك المعاني على سجيّتها ( 4 ) ، فتطلب لأنفسها ألفاظا تليق بها ، وعند هذا تظهر البلاغة والبراعة ، ويتميّز الكامل من القاصر . وحين رتّب الحريري مع كمال فضله في ديوان الإنشاء عجز ، فقال ابن الخشّاب : هو رجل مقاماتيّ ، وذلك لأنّ كتابه ( 5 ) حكاية تجري على حسب إرادته ، ومعاينه تتبّع ما اختاره من الألفاظ المصنوعة ، فأين هذا من كتاب من أمر به في قضيّة ، وما أحسن ما قيل في التّرجيح بين الصّاحب ( 6 ) والصّابي ( 7 ) أنّ الصّاحب كان يكتب كما يريد ، والصّابيّ كان يكتب كما يؤمر ، وبين الحالّتين بون بعيد ، ولهذا قال قاضي قم - حين كتب إليه الصّاحب : أيّها القاضي بقم ، قد عزلناك فقم - : واللّه ما عزلتني إلّا هذه السّجعة .
Commentary
قوله : « وأصل الحسن » هو الشّرط ، وإطلاق الأصل على الشّرط جائز ، لتوقّف المشروط على الشّرط ، كتوقّف الفرع على الأصل ، فقال : « وأصل الحسن في ذلك كلّه » ، يعني في الضّرب اللّفظي من المحسّنات ، « أن تكون الألفاظ تابعة للمعاني » ، وذلك بأن تكون المعاني هي المقصودة بالذّات ، والألفاظ تابعة لها ، « دون العكس » ، أي لا أن تكون المعاني توابع الألفاظ ، وذلك لأنّ المعاني إذا تركت على طبيعتها طلبت لأنفسها ألفاظا تليق بها ، فيحسن اللّفظ والمعنى جميعا . ( 1 ) أي متكلّفة فيها غير متروكة على سجيّتها ، أي طبيعتها . ( 2 ) إذا كانت الألفاظ مجازات أو كنايات . ( 3 ) إذا كانت الألفاظ حقائق فلا بدّ للمتكلّم أن يجعل مراعاة المعاني أصلا ، ومراعاة الألفاظ فرعا حتّى يتميّز الكامل من القاصر ، والفاضل من الجاهل . ( 4 ) أي طبيعتها . ( 5 ) يعني به مقاماته المشهورة وهو اسم الكتاب . ( 6 ) الصّاحب هو إسماعيل بن عباد وزير آل بويه . ( 7 ) الصّابي هو اسم إبراهيم بن هلال صاحب ديوان الرّسائل زمن عزّ الدّولة بن بويه ،