Skip to main content

دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — Page 357

Contributors:

P.357
[ كالتّوبيخ في قول الخارجيّة : أيا شجر الخابور ] هو نهر من ديار بكر [ ما لك مورقا ] ، أي ناضرا ذا ورق كأنّك لم تجزع على ابن طريف . والمبالغة في المدح ، كقوله : ( 1 )
ألمع برق سريّ أم ضوء مصباح * أم ابتسامتها بالمنظر ( 2 ) الضّاحي
Commentary
فتكون أستر . وأمّا النّكتة فهي كالتّوبيخ في قول الخارجيّة هي ليلى بنت طريف ترثي أخاها الوليد ، حين قتله يزيد بن المزيد الشّيبانيأيا شجر الخابور مالك مورقا * كأنّك لم تجزع على ابن طريفقال في معجم البلدان : الخابور اسم لنهر كبير بين رأس عين والفرات من أرض الجزيرة ، وقال فيه أيضا : ديار بكر ، هي بلاد كبيرة واسعة تنسب إلى بكر بن وائل . والشّاهد إنّ الشّاعرة تعلم أنّ الشّجر لم يجزع على ابن طريف ، لأنّ الجزع لا يكون إلّا من العاقل ، لكنّها تجاهلت ، فأظهرت أنّه من ذوي العقول ، وأنّه يجزع عليه جزعا يوجب ذبوله ، وأنّه لا يخرج ورقه ، فاستعملت لفظ كأنّ الدّال على الشّكّ في جزعه ، وإذا كان الشّجر يوبخ على عدم الجزع فغيره أحرى بأن يكون موبخا . فالتّجاهل هنا المؤدّي لتنزيل غير العالم منزلة العالم ، صار وسيلة للتّوبيخ على كونه مورقا ناضرا لا ذابلا ، ووسيلة إلى ادّعاء أنّ مآثره بلغت إلى حيث تعلم بها الجمادات ، ولولا ذلك التّنزيل والادّعاء لما حسن التّوبيخ . ( 1 ) أي قول البحتري : ( 2 ) أراد بالمنظر الوجه ، والضّاحي هو الظّاهر حسّا ومعنى ، فإنّه يعلم أن ليس إلّا ابتسامتها ، فلما تجاهل وأظهر أنّه التبس عليه الأمر ، فلم يدر هل ذلك اللّمعان المشاهد من أسنانها عند الابتسام لمع برق سريّ أم هو ضوء مصباح ، أم هو ضوء ابتسامتها الكائنة في منظرها الضّاحي . أفاد التّجاهل المنزّل منزلة الجهل غاية المدح ، وأنّها بلغت إلى حيث يتحيّر في الحاصل منها ، ويلتبس المشاهد منها . وأمّا الشّاهد : فهو أنّ البحتري تجاهل ، وادّعى أنّه التبس عليه الأمر ، والدّليل على ذلك أنّه بالغ في مدح ابتسامتها حيث لم يفرق بينها وبين لمع البرق ، وضوء المصباح .