دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحة 11
[ وقد يذكر فعل ينبئ عنه ] أي عن التّشبيه ( 1 ) ، [ كما في علمت زيدا أسدا ، إن قرب ( 2 ) ] التّشبيه وادّعى ( 3 ) كمال المشابهة ، لما في علمت ، من معنى التّحقيق ( 4 ) ، [ وحسبت ] زيدا أسدا [ إن بعد ] التّشبيه ( 5 ) ، لما في الحسبان من الإشعار بعدم التّحقيق والتّيقّن ( 6 ) في كون مثل هذه الأفعال منبئا عن التّشبيه نوع خفاء ( 7 ) . [ قد يذكر فعل ينبئ عن التّشبيه ] ( 1 ) أي يدلّ على التّشبيه من غير ذكر أداة ، وفي الأطول إنّ المراد بقوله : « فعل » غير الأفعال الموضوعة من أصلها للدّلالة على التّشبيه ، كالأفعال المشتقّة من المماثلة والمشابهة والمضاهاة . ( 2 ) أي إنّما يستعمل « علمت » لإفادة التّشبيه ، إن قرب التّشبيه ، أي إن أريد إفادة قرب زيد لأسد ، أي قريب المشبّه للمشبّه به . ( 3 ) هذا عطف تفسيري على قوله : « إن قرب » والمراد هو أنّه ادّعى على وجه التّيقّن . ( 4 ) أي المراد بالتّحقيق هو التّيقّن ، فمعنى العبارة حينئذ أي لما في علمت من الدّلالة على تحقيق التّشبيه وتيقّنه ، وهذا يناسب الأمور القويّة الظّاهرة البعيدة عن الخفاء . ( 5 ) أي أريد إفادة بعده وضعفه ، بأن تكون مشابهة زيد لأسد ضعيفة ، لكون وجه الشّبه خفيّا عن الإدراك وغير متيقّن . ( 6 ) لأنّ الحسبان إنّما يدلّ على الظّن والرّجحان ، فهو يشعر بأنّ تشبيه زيد بالأسد ليس بحيث يتيقّن أنّه هو ، بل هو يظنّ ذلك ويتخيّل . ( 7 ) وحاصل اعتراض الشّارح على قول المصنّف أنّه لا نسلّم أنّ الفعل المذكور منبئ عن التّشبيه للعلم وجدانا بأنّه لا دلالة للعلم والحسبان على ذلك ، وإنّما الدّالّ عليه عدم صحّة الحمل ، فإنّا نجزم بأنّ الأسد لا يصحّ حمله على زيد للمباينة بينهما ، فلا بدّ أنّ يكون نحو : علمت زيدا أسدا ، ونحو : زيد أسد ، على تقدير التّشبيه ، وممّا يدلّنا على ذلك عدم توقّف الحمل على التّشبيه على مثل هذا الفعل ، فإنّ نحو : علمت زيدا أسدا ، ونحو : زيد أسد سيّان في إفادة التّشبيه من دون تفاوت ، نعم ، يكون مثل هذا الفعل منبئا عن تحقّق التّشبيه وتيقّنه ، وهو من أحوال التّشبيه فهو منبئ عن حاله لا عن أصله ، كما أشار إليه بقوله : « والأظهر أنّ الفعل ينبئ عن حال التّشبيه في القرب » كقولنا علمت زيدا أسدا « والبعد » كقولنا حسبت زيدا أسدا .