دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحه 383
والصّوت الضّعيف بالهمس ، والنّكهة بالعنبر ، والرّيق بالخمر ، والجلد النّاعم بالحرير ، في كون الخفاء من المسموعات ، والطّيب من المشمومات ، واللذّة من المذوقات تسامح ( 1 ) . [ و ] الواحد [ العقليّ ( 2 ) كالعراء ( 3 ) عن الفائدة والجرأة ] على وزن الجرعة ( 4 ) أي الشّجاعة ، وقد يقال : جرأ الرّجل جرأة بالمدّ ( 5 ) ، [ والهداية ] أي الدّلالة ( 6 ) والمصنّف مثّل للواحد الحسّيّ بأمثلة خمسة ، ولم يقتصر في التّمثيل له على مثال واحد نظرا إلى تعدّد الحواسّ ، وكونها خمسة . ( 1 ) وجه التّسامح أنّ الخفاء والطّيب واللذّة أمور عقليّة غير مدركة بالحواسّ ، وإنّما المدرك بالسّمع الصّوت الخفي ، لا الخفاء ، لأنّ الخفاء أمر عقلي ، والمدرك بالشمّ رائحة الطّيب ، لا الطّيب ، لأنّه أمر عقلي ، والمدرك بالذّوق طعم الخمر ، لا لذّته . نعم ، لا تسامح في جعل لين الملمس من الملموسات . [ أقسام الواحد العقلي ] ( 2 ) أي الواحد العقليّ على أربعة أقسام ، لأنّ طرفيه إمّا حسّيّان أو عقليّان ، أو المشبّه به حسّيّ والمشبّه عقلي ، أو عكسه ، فلذا مثّل له المصنّف بأمثلة أربعة . ( 3 ) أي الخلوّ عن الفائدة . ( 4 ) أي بضمّ الجيم ، كالقرعة بمعنى بقيّة الماء في الكأس . ( 5 ) أي بالمدّ وفتح الجيم ككراهة ، ويقال فيه أيضا : جرائيّة كالكراهيّة ، ويقال فيه أيضا : جرة ككرة ، ثمّ تفسير الجرأة بالشّجاعة مبني على اصطلاح اللّغويّين ، من ترادفهما بمعنى أنّ اقتحام المهالك سواء كان صادرا عن رويّة ، أو لا يقال له جرأة وشجاعة ، هذا خلاف اصطلاح الحكماء من أنّ الجرأة أعمّ من الشّجاعة ، لأنّ الاقتحام المذكور إن كان عن رويّة فهو شجاعة ، وأمّا الجرأة فهي اقتحام المهالك مطلقا ، وإنّما عبّر المصنّف بالجرأة دون الشّجاعة ، مع اشتهار جعلها وجه شبه في تشبيه الإنسان بالأسد ، لأجل صحّة المثال عن كلّ من اصطلاح الحكماء واللّغويّين ، ولو عبّر بالشّجاعة لورد عليه أنّ المثال إنّما يصحّ على مذهب الحكماء لا على مذهب اللّغويّين لاختصاص الشّجاعة بالعقلاء . ( 6 ) أي تفسير الهداية بالدّلالة على طريق يوصل إلى المطلوب إشارة إلى أنّ المراد بالهداية ليس هي الدّلالة الموصلة إلى المطلوب ، بل هي بمعنى إراءة الطّريق الموصل إلى المطلوب ، ولكن الأوّل هو الأنسب في تشبيه العلم بالنّور ، في كون كلّ منهما موصلا إلى شيء ، فإنّ