دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — Page 247
أي أهل ( 1 ) القرية [ أو موصوف ، نحو : أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا ] متى أضع العمامة تعرفوني ( 2 ) الثّنية العقبة ، وفلان طلّاع الثّنايا ، أي ركّاب ( 3 ) لصعاب الأمور وقوله : جلا ، ( 1 ) هذا إيجاز حذف لمكان حذف المضاف ، وهو مفعول فضلة ولا ضير في عدّه جزء جملة لما ذكر من أنّ المراد بالجزء المعنى العامّ ، ثمّ إنّ هذا التّمثيل إنّما هو مبنيّ على أنّ القريّة لم يرد بها أهلها مجازا مرسلا بعلاقة الحاليّة والمحلّيّة ، وإلّا فلا حذف ولا يصحّ التّمثيل ، لكنّ الظّاهر عدم إرادة الأهل منها مجازا ، فإنّ هذا بعيد عن الأذهان غاية البعد . [ أو موصوف ] ( 2 ) وهذا البيت لسحيم بن وثيل الرّياحي من شعراء الجاهليّة ، وقيل لغيره ، « جلا » بالجيم ، يقال : فلان جلا الأمور ، أي كشفها ، « طلّاع » بالطّاء والعين المهملتين كشدّاد مبالغة من الطّلوع ، يقال : فلان طلع الجبّ ، أي علاه ، « الثّنايا » كسجايا جمع ثنيّة كسجيّة ، وهي بالمثلثة والنّون واليّاء ، العقبة وطريقة الجبل ، يقال : فلان طلّاع الثّنايا إذا كان ساميا لمعالي الأمور ، وراكبا لصعابها لقوّة رجوليّته ورفعة همّته ، بحيث لا يميل إلى أمور منخفضة ، لأنّ المعالي لا تكتسب إلّا من ارتكاب الصّعاب ، وحينئذ ففي قوله : « وطلّاع الثّنايا » تجوّز حيث شبّه صعاب الأمور بالثّنايا ، أي الأماكن المرتفعة كالجبال ، واستعار اسم المشبّه به للمشبّه على طريق الاستعارة المصرّحة ، وقوله : « طلّاع » ترشيح لكونه ملائما للمشبّه به ، « أضع » من الوضع ، « والعمامة » ككتابة معروفة ، أي متى أضع العمامة الّتي سترت بها وجهي من رأسي تعرفوني بأنّي من مشاهر الرّجال ومعارفهم ، وإني أهل العمامة والخصال المرضيّة ، ويحتمل أنّ المعنى متى أضع عمامة الحرب على رأسي ، وهي البيضة الحديد الّتي يلبسها المحارب على رأسه تعرفوني ، أي تعرفوا شجاعتي ، ولا تنكروا تقدّمي ، وغنايّ عنكم ، أو أنّ المعنى متى أضع العمامة الّتي فوق رأسي على الأرض تعرفوني شجاعا لأنّي عند وضعها أتشمّر للحرب ، وألبس البيضة ، وهي ما يستر الرّأس من الحديد فيظهر بذلك شجاعتي وقوّتي . وكيف كان فالشّاهد في الشّطر الأوّل حيث إنّه إيجاز بسبب حذف الموصوف ، والتّقدير : أنا ابن رجل جلا ، وعليه ما على الأوّل ، فإنّ « رجل » ليس جزء جملة بل فضلة ، لأنّه مضاف إليه ابن . ( 3 ) صفة مبالغة من الرّكوب والمعنى كثير الرّكوب والتّفوق للأمور الصّعبة .