دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — Page 240
أنّه متى قتل قتل كان داعيا له إلى أن لا يقدم على القتل . فارتفع بالقتل الّذي هو القصاص كثير من قتل النّاس بعضهم لبعض ، وكان بارتفاع القتل حياة لهم [ ولا حذف فيه ( 1 ) ] أي ليس فيه ( 2 ) حذف شيء ممّا يؤدّي به أصل المراد واعتبار الفعل ( 3 ) الّذي يتعلّق به الظّرف ( 4 ) رعاية لأمر لفظي ( 5 ) حتّى لو ذكر لكان تطويلا ( 6 ) ، [ وفضله ( 7 ) ] أي ( 1 ) هذا من تمام العلّة ، وبيان تطبيق القاعدة الكلّيّة على المثال . [ المقارنة بين قوله تعالى : [ وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ] وقولهم : القتل أنفى للقتل ] ( 2 ) أي ليس في قوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ، حذف شيء ، ممّا يؤدّى به أصل المراد ، والواو في قوله : « ولا حذف فيه » للحال ، أي مع أنّه لا حذف شيء فيه ، فهو من إيجاز القصر ، والباء في قوله : « ممّا يؤدّى به » للسّببيّة . ( 3 ) المراد به الفعل اللّغوي ، أي الحدث فيشمل اسم فاعل ، وهذا جواب عمّا يقال إنّ في الآية حذفا كي يتعلّق به حرف الجار إذ لا بدّ له من متعلّق ، وحينئذ فلا يصحّ النّفي في قوله : « ولا حذف فيه » . وحاصل الجواب إنّ تقدير فعل أو اسم كي يتعلّق به المجرور إنّما هو لأمر لفظي كما تقدّم ، أي لمراعاة القاعدة النّحويّة المتعلّقة بالتّراكيب ، وهو أنّ المجرور لا بدّ له من متعلّق ، ولم يحتج لتقديره لعدم احتياج إفادة المعنى في العرف إليه ، وهذا ظاهر ، فإنّه لو قيل : زيد كان في الدّار ، بدل زيد في الدّار كان تطويلا في عرف الاستعمال . ( 4 ) يحتمل أنّه أراد به الجنس فيشمل الطّرفين ، أعني : وَلَكُمْ ، و فِي الْقِصاصِ ، أو أنّه أراد الأوّل ، والثّاني تابع في التّعلّق . ( 5 ) أي لقاعدة نحويّة موضوعة لأجل سبك تراكيب الكلام ، وهي أنّ كلّ جارّ ومجرور لا بدّ له من متعلّق يتعلّق به ، لأنّ اعتبار ذلك الفعل ممّا يتوقّف أصل المعنى . ( 6 ) الأحسن أن يقول : لكان حشوا ، لأنّ الزّائد متعيّن ، وأجاب بعضهم بأنّ مراد الشّارح بالتّطويل التّطويل اللّغوي وهو الزّائد لا لفائدة ، وإن كان متعيّنا فيشمل الحشو ، وإنّما لم يعبّر بالحشو رعاية للأدب في اللّفظ القرآني . ( 7 ) أي أراد المصنّف أنّ يفرّق بين الكلام القرآني والكلام الّذي جاء في ألسنتهم ليبيّن الفضل بين الكلاميين ، والفرق بين العبارتين فقال : « وفضله » ، أي فضل قوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ على الكلام الّذي كان عندهم أوجز كلام في هذا المعنى ، وهو كون القتل أنفى القتل ، أي القتل يمنع القتل ، فتثبت به الحياة .