دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — Page 74
أحوال المسند [ أحوال المسند ( 1 ) أمّا تركه ( 2 ) فلما مرّ ] في حذف المسند إليه ( 3 ) [ كقوله : ] ومن يك أمسى بالمدينة رحله ( 4 ) [ أحوال المسند ] ( 1 ) أي الباب الثّالث أحوال المسند ، أي الأمور العارضة له من حيث إنّه مسند التّي بها يطابق الكلام مقتضى الحال . [ أمّا تركه ] ( 2 ) أي المسند وإنّما قال : في المسند إليه حذفه ، وفي المسند تركه ، رعاية للطيفة ، وهي أنّ المسند إليه أقوم ركن في الكلام وأعظمه ، والاحتياج إليه فوق الاحتياج إلى المسند ، فحيث لم يذكر لفظا فكأنّه أتى به لفرط الاحتياج إليه ، ثمّ أسقط لغرض ، بخلاف المسند فإنّه ليس بهذه المثابة في الاحتياج ، فيجوز أن يترك ولا يؤتى به لغرض ، كما في المطوّل . فحاصل الفرق بين الحذف والتّرك أنّ الأوّل عبارة عن الإتيان ثمّ الإسقاط ، والثّاني إشارة إلى عدم الإتيان به ابتداء ، ثمّ إسقاط المسند إليه بعد إتيانه إشارة إلى كونه أقوم ركن في الكلام ، لأنّ الكلام يشتمل على النّسبة بين المسند والمسند إليه وحيث كان المسند إليه في الأغلب ذاتا والمسند صفة ، والصّفة في تحقّقها محتاجة إلى الذّات فيكون المسند إليه أقوم ركن في الكلام . ( 3 ) أي من الاحتراز عن العبث ، بناء على الظّاهر وتخييل العدول إلى أقوى الدّليلين ، وضيق المقام بسبب التّحسّر أو بسبب المحافظة على الوزن واتّباع الاستعمال وغير ذلك . ( 4 ) لفظة من شرطيّة حذف الجزاء ، وأقيم غيره مقامه و « يك » فعل الشّرط ، أصله يكون ، حذفت الواو لالتقاء السّاكنين بعد الجزم ، وحذفت النّون أيضا تخفيفا أو تشبيها بالتّنوين في السّكون ، و « أمسى » إمّا مسند إلى ضمير من ، وجملة « بالمدينة رحله » خبره إن كانت ناقصة ، وحال إن كانت تامّة ، فالإسناد في « أمسى » حقيقة ، وإمّا مسند إلى رحله بمعنى المنزل والمأوى ، فالإسناد مجاز ، لأنّ المراد إمساء أهل المنزل دون المنزل نفسه ، أي ومن بك أمسى بالمدينة رحله فنعم الإمساء إمساءه ، لأنّه إمساء في المنزل بين الأهل والأحبّة والأصدقاء سالما عن كدر الغربة وتعب الفرقة . وحاصل المعنى من يمسي بالمدينة رحله فليمس ، فإنّي لا أمسي بها لأنّي غريب ، والغريب من يكون عازما على الارتحال .