فإنّه يعرف بحسب الذّوق السّليم والطّبع المستقيم والتّدرّب ( 1 ) في معرفة معاني كلام العرب أن ( 2 ) ليس المعنى ههنا على القصر وإن أمكن ذلك ( 3 ) بحسب النّظر الظّاهر والتّأمّل القاصر .
Commentary
مفعول ثان ل « رأيت » ، والجملة جواب شرط ل « إذا » .
ومحلّ الشّاهد : قولها « الحسن » حيث عرّف بلام الجنس ، لإفادة أنّ اتّصاف المبتدأ به أمر واضح معروف ، لا لإفادة القصر فانتظر .
( 1 ) التّدرّب من الدّربة ، بمعنى التّجربة .
( 2 ) قوله : « أنّ ليس . . . » نائب فاعل « يعرف » أي يعرف أنّه لا معنى في قول الخنساء « رأيت بكاءك الحسن الجميلا » على القصر مطلقا ، لأنّ المعنى على اعتبار القصر الإضافيّ رأيت بكاءك الحسن لا بكاء غيرك ، أي الحسن مقصور على بكائك ، لا يتجاوز إلى بكاء غيرك أصلا ، وعلى اعتبار القصر الحقيقيّ بكاءك حسن لا شيء آخر ، أي الحسن مقصور على « بكاءك » لا يتجاوز إلى شيء آخر أصلا ، وكلّ واحد من هذين المعنيين خارج من مقتضى أسلوب قولها : « إذا قبح البكاء على قتيل رأيت بكائك الحسن الجميلا « لأنّ مقتضى ترتّب الجزاء على الشّرط ههنا هو إخراج بكائه من جنس بكاء القتلى بإثبات الحسن له لا قصره عليه ، فإنّه كما عرفت يقتضي نفيه عن غيره إضافة أو حقيقة ، فلا وجه للحمل عليه .
وبعبارة أخرى إنّ هذا الكلام إنّما هو للرّدّ على من يتوهّم أنّ البكاء على هذا المرثيّ قبيح كغيره ، فالرّدّ يحصل بمجرّد إخراج بكائه من القبح إلى كونه حسنا ، وليس هذا الكلام واردا في مقام من يسلم حسن البكاء ، إلّا أنّه يدّعى أنّ بكاء غيره حسن أيضا ، حتّى يكون معناه أنّ بكاءك هو الحسن الجميلا فقطّ فيفيد القصر الإفراد ، والحاصل إنّ الخنساء لم ترد أنّ ما عدا البكاء على صخر ليس بجميل ، ولا حسن حتّى يفيد كلامها قصرا حقيقيّا أو إضافيا ، بل أرادت أن تخرج بكاءه من جنس بكاء غيره بأن تثبت له الحسن والجمال .
( 3 ) أي القصر بحسب ظاهر التّعريف بأن يقال : إنّ التّعريف في قولها : « الحسن جالجميلا » لا يؤتى به بدلا من التّنكير إلّا لفائدة ، وهي القصر بأن يجعل القصر مبالغة ، أو إضافيّا بالنّسبة إلى بكاء غيره من القتلى ، إلّا أنّ هذا لا يخلو عن تكلّف ، لأنّ التّعريف ليس للقصر ، بل الغرض من التّعريف هو كون اتّصاف المبتدأ ، أي البكاء على صخر بالخبر ، أي بالحسن والجميل أمرا ظاهرا بحيث لا ينكر ، ولا يشكّ في ذلك هذا هو فائدة التّعريف لا إفادة الحصر .