دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحه 35
وتنبيها ( 1 ) على فضيلة نعمة البيان [ من البيان ] بيان لقوله [ ما لم نعلم ] قدّم رعاية للسّجع ( 2 ) ( 1 ) أي يكفي في فضيلة نعمة البيان أنّ الإنسان لا يمكن له الوصول إلى معظم منويّاته ومقاصده إلّا بالبيان ، لأنّه عبارة عن الكلام المعرب عمّا في القلب . ثمّ إنّ الوجه في هذا التّنبيه أنّ المتفاهم عرفا من ذكر الخاصّ بعد العامّ بطريق العطف أنّ الخاصّ بلغ في الشّرافة والكمال مرتبة كأنّه أصبح خارجا من العامّ ، لأنّ العطف يقتضي مغايرة طرفيه وعدم اندراج المعطوف في المعطوف عليه ، ففي المقام حيث لم تكن المغايرة الحقيقيّة موجودة بينهما فلا بدّ من الالتزام بالمغايرة الادّعائيّة الاعتباريّة . [ وجه التّسامح في قوله : « ما لم نعلم » ] ( 2 ) أي كان مقتضى التّرتيب الطّبيعي « ما لم نعلم من البيان » وتقديم البيان أعني قوله : « من البيان » على المبيّن اعني قوله : « ما لم نعلم » إنّما هو لرعاية السّجع وهو في اللّغة هدير الحمام ونحوه ، وفي الاصطلاح تواطؤ الفاصلتين من النّثر على حرف واحد في الأخير . ثمّ قول الشّارح حيث جعل من البيان بيانا لمجموع « ما لم نعلم » لا يخلو عن تسامح ، لأنّ قول المصنّف من البيان بيان لكلمة ما فيما لم نعلم وليس بيانا لمجموع الموصول والصّلة أعني « ما لم نعلم » ثمّ الوجه في التّسامح المذكور أنّه لمّا كان الموصول والصّلة في غاية الارتباط والاتّصال عدّا كشيء واحد فنسب إلى المجموع ما هو ناظر إلى الأوّل فقط . فإن قلت : إنّه لا حاجة لذكر قوله : « ما لم نعلم » للاستغناء عنه بقوله : « علّم » لأنّ التّعليم لا يتعلّق إلّا بغير المعلوم ، فغير المعلوم لازم للتّعليم وبذكر الملزوم يعلم اللّازم . قلت : إنّه قد أجيب عنه أوّلا : بأنّ غير المعلوم على قسمين : منه ما هو صعب المأخذ لا ينال بقوّتنا واجتهادنا لو خلّينا أنفسنا لعلّوه عن كسب قوّتنا . ومنه ما هو سهل المأخذ بحيث ينال بقوّتنا واجتهادنا بحسب العرف ثمّ اللّازم للتّعليم هو القسم الثّاني دون القسم الأوّل ، والمراد هنا من كلام المصنّف هو الأوّل ، وهو ليس لازما للتّعليم كي يكون ذكره مستغنيا عن ذكره . فمعنى قوله : « ما لم نعلم » أي ما لم نعلم بقوى أنفسنا واجتهادنا فلو حذف قوله : « ما لم نعلم » لتوهّم أنّ ذلك العلم أمر سهل المأخذ ينال بالاجتهاد والقوى البشريّة ، وحينئذ فالتّصريح بقوله : « ما لم نعلم » يدفع ذلك التوهّم . وثانيا : إنّ التّصريح بقوله : « ما لم نعلم « إنّما هو لدفع توهّم أن المراد بالتّعليم في