لأنّه ( 1 ) إنّما يتحقّق بعد تحقّق الطّرفين ، وأمثال هذه المباحث ( 2 ) تنظر فيها اللّغة من حيث إنّها تبيّن أنّ هذا مثلا للقريب ، وذاك للمتوسّط ، وذلك للبعيد ، وعلم المعاني من حيث إنّه إذا أريد بيان قرب المسند إليه يؤتى بهذا ، وهو زائد على أصل المراد الّذي هو الحكم على المسند إليه المذكور المعبّر عنه بشيء يوجب تصوّره على أيّ وجه كان [ أو تحقيره ] أي تحقير المسند إليه [ بالقرب ( 3 ) نحو :
أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ
« 1 »
شرح
( 1 ) أي التّوسّط .
( 2 ) هذا جواب عن سؤال مقدّر ، وهو أن يقال : إنّ ذا للقريب ، وذاك للمتوسّط ، وذلك للبعيد ، ممّا يقرّره الوضع واللّغة ، فلا ينبغي أن يتعلّق به نظر علم العاني ، لأنّه إنّما يبحث عن الزّائد عن أصل المراد .
حاصل الجواب : إنّ علم المعاني يبحث فيه عن أنّه إذا أريد بيان قرب المسند إليه يؤتى بهذا ، ومن البديهي أنّ إرادة بيان قرب المسند إليه زائد على أصل المراد ، وبعبارة واضحة إنّ جهة البحث وحيثيّته في أسماء الإشارات في اللّغة مخالفة لجهة البحث عنها في علم المعاني ، فإنّ اللّغوي يبحث عن أسماء الإشارات من جهة بيان معانيها الموضوعة بإزائها ، ويبيّن أنّ هذا للقريب ، وذاك للمتوسّط ، وذلك للبعيد ، وليس له أيّ نظر إلى أنّ المسند إليه إذا كان قريبا واقتضى حال المخاطب بيان قربه يؤتى بهذا ، وإذا كان متوسّطا واقتضى حال المخاطب بيان توسّطه يؤتى بذاك ، وإذا كان بعيدا واقتضى حال المخاطب بيان بعده يؤتى بذلك ، هذا بخلاف علماء المعاني ، فإنّهم يبحثون عن أسماء الإشارات من جهة أنّ الإتيان بها قد يقتضيه حال المخاطب ويختلف باختلاف أحوال المخاطبين ، فيقتضي حال المخاطب الإتيان بما وضع للقريب ، وقد يقتضي الإتيان بما وضع للمتوسّط ، أو البعيد .
وبعبارة أخرى حال المخاطب قد يقتضي القرب ، وقد يقتضي البعد أو التّوسّط ، وليس لهم أيّ نظر إلى بيان معاني تلك الألفاظ في اللّغة أصلا . ولا ريب أن حال المسند إليه من حيث القرب والبعد والتّوسّط زائد على أصل المراد الّذي هو عبارة عن مجرّد ثبوت المسند للمسند إليه ، فعليه لا يبقى مجال للسّؤال المذكور .
[ أو تحقيره بالقرب ]
( 3 ) أي أنّه يؤتى بالمسند إليه اسم الإشارة لقصد إظهار حقارة معناه بسبب دلالتهپاورقی
( 1 ) سورة الأنبياء : 36 .