وكنت أضرب ( 1 ) عن هذا الخطب صفحا وأطوي ( 2 ) دون مرامهم كشحا علما ( 3 ) منّي بأنّ مستحسن الطّبائع بأسرها ، ومقبول الأسماع عن آخرها ، أمر لا تسعه مقدرة البشر ،
Commentary
وقيل إنّ الإتيان بكلمة « على » دون إلى إنّما هو للطيفة وهي أنّ : « على » تستعمل فعلا ماضيا بمعنى ارتفع ففيه إشارة إلى أنّهم حين مدّوا الأعناق ارتفع عنهم فلم يصلوا إليه .
فحينئذ قوله : « ومدّوا أعناق المسخ » جملة مستقلّة يصحّ فيها الوقف ثمّ يبتدأ بقوله : « على ذلك الكتاب » أي ارتفع ذلك الكتاب عن مدّ أعناقهم لأجل مسخهم إيّاه فهو تحصين لكتابه حقيقة .
( 1 ) الضّرب بمعنى الإمساك أو الإعراض و « الخطب » بمعنى الأمر العظيم « صفحا » بمعنى إعراضا أو إمساكا وقوله : « وكنت » عطف على قوله : « رأيت » أو حال عن فاعله ، والمعنى حينئذ : رأيت الكثير . . . حال كوني أعرض عن هذا الأمر العظيم إعراضا أو حال كوني أمسك نفسي عن هذا الأمر العظيم إمساكا ، فالفعل على الأوّل متعدّ حذف مفعوله ، وعلى الثّاني لازم و « صفحا » مفعول مطلق ، وقيل بأنّه مفعول لأجله على التّقديرين .
( 2 ) « أطوي » من الطّيّ ضدّ النّشر ، « دون » بمعنى قبل أو قدّام ، والمرام بمعنى المطلوب ، والكشح في اللّغة وإن كان بمعنى الجنب إلّا أنّ المراد به هنا هو الامتناع عن الوصول إلى المطلوب و « كشحا » مفعول لأجله لقوله : « أطوي » وقوله : « وأطوي » عطف على قوله :
« أضرب » في جملة « وكنت أضرب » والمعنى حينئذ : وحال كوني أتجنّب عن حصول مرامهم وهو الاختصار قبل وصولهم إلى المطلوب لأجل الامتناع عن الوصول إلى المطلوب .
( 3 ) « علما » علّة لكلّ من « أضرب » و « أطوي » على التّنازع والمراد ب « مستحسن الطّبائع بأسرها » هو الإتيان بالأمر الّذي يستحسنه ذوو الطّبائع بجميعها . والمعنى : أضرب عن هذا الخطب صفحا وأطوي دون مرامهم كشحا ، علما منّي بأنّ الإتيان بالأمر الّذي يستحسنه ذوو الطّبائع بجميعها وتقبله الأسماع ، « عن آخرها » أي إلى آخرها « أمر لا تسعه مقدرة البشر » أي قدرتهم ، لأن المقدرة بضم الدّال وفتحها مصدر ميمي بمعنى القدرة .