تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
والحومة معظم الشّيء ، والجندل ( 1 ) أرض ذات حجارة والسّجع هدير الحمام ونحوه وقوله : فأنت بمرأى أي بحيث تراك سعاد وتسمع صوتك ( 2 ) ، يقال : فلان بمرأى منّي ومسمع ، أي بحيث أراه وأسمع قوله ، كذا في الصّحاح ( 3 ) . فظهر فساد ما قيل : إنّ معناه أنت بموضع ترين منه سعاد وتسمعين كلامها ، وفساد ذلك ممّا يشهد به العقل والنّقل ( 4 ) .
شرح
( 1 ) أي الجندل أرض ذات حجارة على ما في الأساس . والّذي في الصّحاح إنّ الجندل بسكون النّون ، نفس الحجارة . وأمّا الأرض ذات الحجارة فيقال لها : جندل بفتح الجيم والنّون وكسر الدّال ، فعلى ما في الصّحاح يكون تفسير الشّارح ناظرا إلى ما في أصل اللّغة ، فيكون إرادة الأرض من الجندل من قبيل إرادة المحلّ من اللّفظ الموضوع للحالّ ، ويمكن أن يقال : إنّ الشّارح قد ثبت عنده بالنّقل الصّحيح قراءة « الجندل » بكسر الدّال فتكون النّون عندئذ مسكّنة للضّرورة ، ثمّ إنّ الدّاعي على ما ذكر من أحد الأمرين أنّ « جرعى » قد حملت على نفس الأرض ، فيناسب ذلك أن يكون « الجندل » أيضا كذلك أي نفس الأرض فحينئذ تكون إضافة « جرعى » إلى « حومة » بيانيّة ، وإضافة « حومة » إلى « الجندل » بتقدير في . ( 2 ) أي كأنّه أنت في مكان تراك فيه سعاد وتسمع صوتك منه ، ف « حيث » ظرف مكان ، والباء بمعنى في . ( 3 ) يعني أنّ ما في الصّحاح يفيد أنّ المجرور بمن بعد « مرأى ومسمع » هو فاعل الرّؤية والسّماع ، أي هو الرّائي والسّامع ، فعليه لا وجه لما ذكره الزّوزني من أنّ المعنى ( أنت بحيث ترين سعاد وتسمعين صوتها ) فإنّه مخالف لما ذكره الصّحاح ، وأيضا لا يساعد ما ذكره الزّوزني العقل ، وذلك لأنّه إذا كانت الحمامة تسمع صوت سعاد المحبوبة كان عليها السّكوت لا السّجع ، فإنّه مخلّ بالسّماع . ( 4 ) أمّا فساده نقلا فلما ذكره عن الصّحاح من أنّه يفيد أنّ فاعل الرّؤية هو المجرور بمن ، وكلام الزّوزني يقتضي أن يكون المجرور بمن مفعولا . وأمّا فساده عقلا : فلأنّ الحمامة إذا كانت تسمع صوت المحبوبة فلا يحسن في نظر العقل طلب تصويتها ، لأنّه يفوت سماعها ، بل اللّائق طلب الإصغاء ، فكان الواجب على الشّاعر أن يقول اسمعي أو اسكتي أو انصتي .