Skip to main content

دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — Page 124

Contributors:

P.124
وأصاب ( 1 ) لك‌نّه ( 2 ) أخطأ في جعل جمود العين كناية عمّا يوجبه دوام التّلاقي من الفرح والسّرور [ فإنّ الانتقال ( 3 ) من جمود العين إلى بخلها بالدّموع ] حال إرادة البكاء وهي ( 4 ) حالة الحزن على مفارقة الأحبّة [ لا إلى ما قصده من السّرور ( 5 ) ] الحاصل بالملاقاة ( 6 ) .
Commentary
( 1 ) أي أصاب الشّاعر - وهو عبّاس بن الأحنف - في الكناية ، لأنّها عبارة عن ذكر اللّازم أعني السّكب ، وإرادة الملزوم أعني الحزن ، إذ يفهم الحزن من سكب الدّموع عرفا ، ولهذا يقال : ( أبكاه الدّهر ) كناية عن أحزنه ، أو يقال : ( أضحكه ) كناية عن ( أسرّه ) فأصاب الشّاعر في جعله سكب الدّموع كناية عن الحزن . ( 2 ) أي الشّاعر أخطأ في نظر البلغاء حيث إنّ ما صنعه مخالف لموارد استعمالهم ، وذلك لأنّ الجاري على استعمالهم إنّما هو الانتقال من جمود العين ، أي يبسها إلى بخلها بالدّموع وقت طلبها منها ، وهو وقت الحزن على مفارقة الأحبّة فهو الّذي يفهم من جمودها لا دوام الفرح والسّرور كما قصد الشّاعر . وحاصل الكلام أنّ الشّاعر أخطأ في نظر البلغاء كما عرفت ، لا أنّه أخطأ بالنّظر إلى الواقع ونفس الأمر ، بأن يكون كلامه فاسدا . ثمّ قوله « السرور » إن كان مصدرا لازما ، كما هو المتبادر من تقرير الصّحاح ، فالأمر ظاهر لوجود التّناسب بينه وبين الفرح ، لأنّ الفرح لازم . وإن كان السّرور متعدّيا ، كما هو المنقول عن كثير من كتب اللّغة احتيج إلى جعله هنا مبنيّا للمجهول لأنّه المناسب للمقام حيث يكون لازما أيضا . ( 3 ) علّة لقوله « أخطأ » ، لأنّ الذّهن لا ينتقل من جمود العين إلى دوام تلاقي الأحبّة المستلزم للفرح والسّرور ، بل ينتقل إلى بخل العين بالدّموع حال إرادة البكاء المستلزم للحزن على مفارقة الأحبّة . ( 4 ) أي حال إرادة البكاء حالة الحزن ، أي حزن الإنسان على مفارقة الأحبّة . ( 5 ) أي لا ينتقل الذّهن من جمود العين إلى ما قصده الشّاعر من السّرور . ( 6 ) أي بملاقاة الأصدقاء ومواصلة الأحبّة ، ففي هذا الكلام تعقيد لما عرفت من عدم انتقال الذّهن من جمود العين إلى الفرح والسّرور . ولهذا لا يصحّ عندهم في الدّعاء للمخاطب أن يقال : ( لا زالت عينك جامدة ) لأنّه دعا عليه بالحزن ، ويصحّ أن يقال : ( لا أبكى