أصحاب الباطل ، ولا حول ولا قوة الّا باللّه العليّ العظيم ، اعلم يا عزيزي انّ اللّه سبحانه وتعالى جعل في الانسان قوى وشهوات كثيرة - كما ذكر سابقا - وأمر أن تصرف هذه القوى في رضاه ، ووعدهم بمقتضى قوله :
« وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ »
« 1 » .
أن يخلف كلّ ما انفقوه في طريقه اخلافا لا يشبه الأول ، كما انّ اللّه تعالى رزقك مالا فانيا معرضا للزوال يحتمل أن يحترق كلّه بليلة أو يسرقه لص ، ثم أمرك أن تنفقه في طريقه كي يعوضك في الجنة بما لا زوال له ، ويكون أكثر منه باضعاف مضاعفة ، ولا يفارقك بالموت وسائر الآفات .
وأعارك عزة ، وبمقتضى قوله :
« وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ »
« 2 » .
أراد أن تصرفها في طريقه ، وبما انّ الأعمال الحقّة تنافي طريقة أهل الباطل وذوقهم ، وانّ طبائع أكثر أهل العالم تميل إلى الباطل ، فالذي يجتاز هذا الاعتبار الباطل ببطولة ، ويعمل الأمور الحقة طبقا لرضى اللّه تعالى ، فاللّه يكرمه بعزة لا تشابه سائر الكرامات .
وكما علم من أحوال أبي ذر انّ الذين كانوا يحومون حول عثمان يطلبون [ الدنيا ] لعنوا وذلّوا أبد الآبدين ، لكن أبا ذر يصلّى عليه إلى قيام الساعة ، ويتشرفون بذكر اسمه لاجتيازه عن الاعتبارات الباطلة ببطولة ، مع قطع النظر عن الكرامة الأبدية الأخروية .
هامش
( 1 ) سبأ : 39 .
( 2 ) المائدة : 54 .