تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عين الحياة — صفحة 493

مساهمون:

ص٤٩٣
وكذلك العلماء قد يصيبون من الحكمة والعلم ما ينجيهم من الجهل ، ولكن لكلّ ذي فضل فضله ، كما أنّ الناس ينالون من ضوء الشمس ما ينتفعون به في معائشهم وأبدانهم ، ولا يقدرون أن ينفذوها بأبصارهم ، فهي كالعين الغزيرة الظاهر مجراها المكنون عنصرها . فالنّاس قد يجيبون بما ظهر لهم من مائها ، ولا يدركون غورها ، وهي كالنجوم الزاهرة التي يهتدى بها الناس ، ولا يعلمون مساقطها ، فالحكمة أشرف وأرفع وأعظم مما وصفناها به كلّه ، هي مفتاح باب كلّ خير يرتجى ، والنجاة من كلّ شرّ يتّقى ، وهي شراب الحياة التي من شرب منه لم يمت أبدا ، والشّفاء للسّقم الذي من استشفى به لم يسقم أبدا ، والطّريق المستقيم الذي من سلكه لم يضلّ أبدا ، هي حبل اللّه المتين الذي لا يخلقه طول التكرار ، من تمسّك به انجلى عنه العمى ، ومن اعتصم به فاز واهتدى ، وأخذ بالعروة الوثقى . قال : فما بال هذه الحكمة التي وصفت بما وصفت من الفضل والشرف والارتفاع والقوة والمنفعة والكمال والبرهان لا ينتفع بها الناس كلّهم جميعا ؟ قال الحكيم : انّما مثل الحكمة كمثل الشمس الطالعة على جميع الناس الأبيض والأسود منهم ، والصغير والكبير ، فمن أراد الانتفاع بها لم تمنعه ، ولم يحل بينه وبينها من أقربهم وأبعدهم ، ومن لم يرد الانتفاع بها فلا حجّة له عليها ، ولا تمنع الشمس على الناس جميعا ، ولا يحول بين الناس وبين الانتفاع بها . وكذلك الحكمة وحالها بين الناس إلى يوم القيامة ، والحكمة قد عمّت الناس جميعا الّا أنّ الناس يتفاضلون في ذلك ، والشمس ظاهرة إذ طلعت على الأبصار الناظرة فرقت بين الناس على ثلاثة منازل ، فمنهم الصحيح البصر الذي